تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قصت كريمة الشهيد الهادي شاكر على أحد الصحفيين اختطاف أبيها من بيته، وهي شاهدة عيان، ونقتصر على نقل ما قالته:

لابريس - بتاريخ 16 / 9 / 1953

في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل شعر أنجال الهادي شاكر أن بعض الأشخاص يحاولون اقتحام باب العمارة، وقالت كريمته الكبرى التي كانت شهادتها أدق شهادة كانت سيارتان من نوع سيتروين (تراكسيون آفان) واقفتين أمام الباب.

وعندما أيقظه أبناؤه أمسك الهادي شاكر بالتليفون وطلب أولا مركز الجندرمة، ولما خاطبه ضابط الجندرمة في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين طلب منه الهادي شاكر الحضور حالا لنجدته، فصرح له الضابط بأنه سيأتي حالا بيد أنه يستحسن أن يطلب أيضا مركز البوليس وهو أقرب إلى منزله من مركز الجندرمة، وذلك لأن مركز الجندرمة يقع خارج المدينة في طريق تونس في حين أن مركز البوليس يوجد في قلب المدينة على مسافة خمسمائة متر من المنزل الذي كان يقيم فيه الهادي شاكر.

فنفذ الهادي شاكر نصيحة ضابط الجندرمة وطلب فورا مركز البوليس، فكان الرد أن النجدة آتية في الحال.

وتضيف الفتاة أنه ما أن وضع السماعة حتى دوي انفجار عنيف، وكانت الساعة الثانية والدقيقة الأربعين فقد نسف المهاجمون الباب ذا المصراعين بمادة شديدة الانفجار عندما عجزوا عن اقتحامه.

وفي نفس اللحظة انقطع التيار الكهربائي في المنزل ولم يحدث ذلك عمدا ولكنه كان نتيجة للانفجار لأن العداد الكهربائي يوجد في مدخل المنزل بجانب الباب، فانتزع من الحائط وانقطع التيار.

وتستطرد كريمة الهادي شاكر قائلة: وبعد ذلك توالت الوقائع بسرعة فقد صعد المهاجمون الدرج عدوا وأطلقوا رصاصة على قفل باب «الشقة» في الطابق الأول، ثم فتحوا الباب بعد أن دفعوه بأكتافهم ودخلوا إلى الشقة وفي أيديهم مصباح كهربائي، ثم سألوه: «هل أنت الهادي شاكر؟» فقال: «نعم.» فقالوا: «إذن تعال معنا.»

ونزلوا وهم يجرونه بينما كان لا يرتدي إلا ملابس النوم.

وقالت الفتاة أنهم كانوا ثلاثة اثنان منهم بشرتهما بيضاء وملابسهما مدنية إفرنجية ويحمل كل واحد منهما رشاشة، والثالث زنجي يلبس طاقية سوداء وقميصا وسروالا (كاكيا) ويحمل فوق كتفه بندقية وفي يده مسدسا.

وانطلقت السيارتان متجهتين إلى طريق تونس وأنوارهما مشعلة واجتازتا قلب المدينة.

ولم تنقض إلا سبع دقائق منذ أن دوي الانفجار في الساعة الثانية والدقيقة الأربعين، ووصل رجال البوليس والجندرمة الذين استيقظوا وارتدوا ملابسهم بسرعة في الساعة الثانية والدقيقة الخمسين أي بعد ثلاث دقائق وجاءوا بعضهم بالسيارات والبعض الآخر مشيا على الأقدام.

واستمر البحث والتفتيش إلى الفجر، وحوالي الساعة السادسة صباحا عاد راكبو، إحدى السيارات الذاهبة من نابل إلى تونس وأخبروا مركز الجندرمة أن هناك جثة ملقاة على حافة الطريق على مسافة خمسة كيلومترات من «نابل».

وكانت الجثة هي جثة الهادي شاكر ملقاة ووجهه على الأرض على جانب الطريق في النقطة (60كم-300م) أمام صخرة مئات الأمتار.

وكانت الجثة قد اخترقتها عدة عيارات، ووجدت بقايا رصاصات رشاشة عيار 9 ملليمتر ومسدس عيار 7,75.

ومعلوم أنه وجد إنذار فوق الجثة، وقد نشر أمس نصه التقريبي، وهذا هو النص الصحيح:

إنذار إلى الأهالي!

إن كل حادث اغتيال أو تخريب يرتكبه الحزب الدستوري في مكان ما، سيتبعه ابتداء من الآن إعدام ثلاثة من الأعضاء البارزين في فرع الحزب في ذلك المكان.

ولن يحول أي شيء أو أي شخص دون تنفيذ هذه الأعمال الانتقامية.

فليكن ذلك معلوما. (4) خاتمة

لا بد للكتاب من خاتمة، وإن كان كفاح تونس مستمرا والعدوان الفرنسي متتابعا عليها، وإن كانت الخاتمة الحتمية لذلك الكفاح لم تتحقق بعد، إلا أنه أخذ يتطور تطورا سريعا في المدة الأخيرة حتى أصبحت الحالة خطيرة جدا على الفرنسيين والتونسيين أيضا، فقد ظهرت في الميدان فرق من الفدائيين الوطنيين تقول عنها الصحف الفرنسية أنها منظمة نظاما دقيقا، ترتدي لباس الميدان مسلحة بالأسلحة الثقيلة، وقد اكتسحت الجهات الجبلية كلها من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال غربا، وتقول تلك الصحف أيضا إن بداية هذه الحركة المسلحة تشبه بداية الحرب في الهند الصينية.

تونس الثائرة · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢١٨