وكان مربوع القامة، خفيف السمرة، أسود الشعر، تتوقد عيناه حياة وفطنة تحت نظاراته.
وقد لعب الهادي شاكر دورا هاما في ثورة تونس، فهو الذي قاد الحركة الوطنية في أصعب أيامها في يناير 1952 بعد اعتقال زعيم الشعب الحبيب بورقيبة ومدير الحزب المنجي سليم، وعندما كان يخشى أن تدخل الفوضى على أعمالها، فكان قدوة ومنارا بهدوئه وتصلبه؛ إذ نفذ الخطة المرسومة وعقد مؤتمر الحزب في 18 يناير 1952، وترأسه وبث فيه من روحه إلى أن أتم أعماله وأصدر قراره الذي بقي دستورا قارا واضحا في فترة الكفاح كلها، ولكن السلطات الفرنسية تعرف قيمة الهادي شاكر في قيادة الشعب؛ ولذا أسرعت إلى إلقاء القبض عليه يوم 23 يناير أربعة أيام بعد عقد مؤتمر الحزب، ثم أرسلته إلى منفى طبرقة، حيث اجتمع مع الحبيب بورقيبة والمنجى سليم، وقد صحبهما أيضا يوم 26 مارس 1952 عندما نقلتهما الإقامة العامة الفرنسية إلى معتقلهما الجديد في صحراء الجنوب برمادة، فاستأنف هكذا حياة الاعتقال في الصحراء بعد ثماني عشرة سنة، وكان نفي إليها مع قادة الشعب عام 1934، ولم يطل مكثه فيها هذه المرة، فنقلته السلطات الفرنسية يوم 7 مايو صحبة زملائه إلى جزيرة جربة، وفي شهر يونيو 1953 فرضت عليه الإقامة الجبرية في مدينة نايل مقر إبعاده الجديد فأصبح هكذا تحت حراسة البوليس الدائمة.
وفي ليلة الأحد 13 سبتمبر حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل سمعت طرقات شديدة على باب البيت الذي كان يسكنه الهادي شاكر، ثم وقعت محاولة خلعه، فاستيقظ الزعيم من نومه، وتلفن حالا إلى مقر الجندرمة الذي لا يبعد عن بيته إلا بعض مئات الأمتار، وأعلمهم أن مجهولين يحاولون الهجوم على بيته، فأجابته الجندرمة أن مقر البوليس أقرب إليه فليتصل به، فاتصل به فعلا من غير جدوى، ولكن المجرمين الفرنسيين وضعوا في الأثناء مفرقعات في الباب ونسفوه نسفا، وصعدوا الدرج المؤدي إلى غرفة الزعيم، ثم جروه معهم جرا تحت تهديد أسلحتهم وأركبوه جبرا في سيارتهم التي اندفعت تعدو بسرعة فائقة.
وقد اكتشفت جثة الهادي شاكر في الصباح المبكر على الطريق الرابطة نابل بقرنبالية في جهة الوادي السعيد، وقد مزقه رصاص الرشاشات.
وقررت السلطات الفرنسية أن النظر في تلك الجريمة سيكون من متعلقات المحكمة العسكرية الفرنسية، وربما يتساءل الإنسان لماذا اتخذ هذا القرار؟ ولكنه عندما يعلم أن البحث العدلي لم يأت بنتيجة وأن المجرمين ما زالوا يتمتعون بحريتهم الكاملة لم يمس أحدهم بسوء، وأن دم الهادي شاكر قد ذهب هدرا كما ذهب دم فرحات حشاد من قبله، يفهم سر ذلك القرار، وربما يذهب إلى أبعد من ذلك في استنتاجه إذ يرى أن العدالة الفرنسية تحمي المجرمين من الفرنسيين.
وحمل جثمان الشهيد إلى مدينة صفاقس مسقط رأسه حيث شيع عشرات الآلاف جنازته وبكاه أبناء وطنه كلهم، وأثار اغتياله موجة عميقة من الاستياء في الشعب التونسي بأسره وازدادت الهوة بين تونس وفرنسا عمقا، وقد علقت جريدة «لوموند» الفرنسية (15 سبتمبر 1953) على تلك الجريمة الفظيعة وما تجره من نتائج وخيمة، قالت:
إن الاغتيال الذي وقع بنابل ليلة الأحد يذكرنا باغتيال فرحات حشاد، وقد ذهب أحد القادة الوطنيين ضحيته (وكان الضحية في ديسمبر الماضي الأمين العام للاتحاد العام للعمال التونسيين، أما اليوم فأمين المال للديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد). وتنبئ تلك الجريمة على عمل منسق منظم اشترك فيه عدة أشخاص، ويظهر في مظهر عمل انتقامي كنا نددنا يوم السبت بما فيه من خطر، فقد بقيت تونس هكذا في الدور والتسلسل الجهنمي الذي دخلت فيه منذ عامين.
إن الإرهاب بغيض كما كررناه وما زلنا نكرره، ولكن هل يمكن أن تكون الإجابة عن إراقة الدماء بإراقة الدماء، وعن الاغتيال بالاغتيال طريقة، وأن تكون طريقة فرنسية وطريقة حامين إزاء محميين؟ أولم نتنبأ بأننا دخلنا شمال أفريقيا لإرجاع النظام إلى نصابه، أولم نكافح من 1940 إلى 1944 لنضع حدا لطرق كنا نتألم منها في أجسامنا ولكي نعوض الأحكام الاستعجالية العمياء بالعدالة؟