وأرادت الحكومة الفرنسية أن تتبع في سياساتها بالمغرب مبدأ «فرق تسد» فعزلت ممثلها بتونس دي هونكلوك وعوضته بمقيم عام آخر وهو بيير فوازار لتفرق بين الشعب التونسي والشعب المراكشي، وقد أذاع المقيم العام السابق قبل مغادرته البلاد التونسية بلاغا جاء فيه: «وسوف يسلك خلفه بيير فوازار سياسة أشد قسوة ضد التونسيين»، وما الجرائم التي ارتكبها الاستعمار بعد تعيينه إلا دليل قطعي على ذلك. (3) اغتيال الهادي شاكر
وكانت أشد تلك الجرائم وقعا على التونسيين اغتيال الزعيم الشعبي المحبوب الشهيد الهادي شاكر، وهو من أبرز قادة الحركة الوطنية، وعضو في الديوان السياسي، وقد كانت حياته مثالا في الإيمان والعمل والتضحية.
ولد في مدينة صفاقس عام 1908، وترعرع بها وتعلم في مدارسها، وانضم إلى صفوف المكافحين الوطنيين منذ الصغر، وكان عضوا نشيطا في الحزب الحر الدستوري بعد أن أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي بقليل، وسرعان ما أهلته مواهبه وأعماله لتحمل المسئوليات.
وكانت فترة الركود السياسي والانحلال الحزبي التي أعقبت نفي الشيخ الثعالبي إلى المشرق تحز في نفسه المتوثبة، وكان تقاعس القادة القدماء عن العمل يؤلمه، ولما رجع النشاط الوطني بفضل الحبيب بورقيبة ورفاقه من الوطنيين، اندفع الهادي شاكر معهم ودخل مدخلهم حتى أصبح عضدهم الأيمن في جهة الجنوب، وكان من أكبر الدعاة في مؤتمر قصر هلال 1934، إلى تجديد الحزب الدستوري وإعطاء قيادته لشباب عامل مخلص نشيط، وكان موقفه من أكبر عوامل النجاح في تكوين الديوان السياسي، وعرف الطاغية «بيروطون» فيه العنصر الفعال والجد في عمله الوطني فنفاه إلى الصحراء صحبة قادة الحركة الوطنية (1934) فتحمل الحر والعذاب والحرمان بقلب مطمئن، وصبر وثبات، وأصبح بعد رجوعه من المنفى القائد الأكبر للحركة الوطنية في عاصمة الجنوب، واستأنف نشاطه بقوة وحماسة هادئة، واشترك في جميع الأعمال الكبرى وتأسيس المنظمات القومية، وأخذ قسطا وافرا في قيادة الشعب في ثورة 1938، فسجنته السلطات الفرنسية وعلقت به تهمة التآمر ضد أمن الدولة الخارجي والداخلي. وطالب الكولونيل «دي جيران» قاضي التحقيق العسكري بالحكم عليه بالإعدام، وقد نقلته السلطات الفرنسية من السجن المدني إلى السجن العسكري، ثم إلى سجن «تبرسق» وأخذته مع رفاقه قادة الحركة إلى سجن «سان نيقولا» بمارسيليا في جنوب فرنسا. ثم وضعته في قرية «تراتز» قرب مدين «إيكس» في إقامة جبرية، وفي عام 1942 أرجعته قوات المحور إلى تونس، فشمر عن ساعد الجد وأخذ في تنظيم الحركة الوطنية مع بقية إخوانه، وصار من قادة الحزب الحر الدستوري الكبار، وعضوا بارزا في الديوان السياسي، ولقبته الجماهير الشعبية بزعيم الجنوب لما له من نشاط في تلك الجهة، وقد بقيت بها بعض القبائل الكبرى يسيطر عليها مشايخ خونة من صنائع الاستعمار، يحرمون منطقتها على الوطنيين ويهددونهم بالقتل إذا ما حدثتهم أنفسهم بدخولها، فاقتحم الشهيد الهادي شاكر تلك المناطق، وبث فيها الدعوة الوطنية وعقد بها الاجتماعات المتكررة وكان في عمله عرضة للسجن والقتل، ولكن عزمه أقوى من أن توقفه الصعوبات، وإيمانه أرسخ من أن يؤثر فيه الوعيد، فهو رجل الواجب لا يعطله شيء عن أداء واجبه.
وكأن واجباته كلها اجتمعت وتبلورت في الواجب الوطني فهو وإن كان أبا رءوفا وأخا حنونا وتاجرا ماهرا، فقد ضحى بعواطفه وماله ووقته، وبحياته في سبيل وطنه المنكوب، استمد قوته من نفسه، فعاش عيشة الأقوياء ومات ميتة الشهداء، يلتجئ إليه الرجال إذا ما اعتراهم ضعف وخور، ويزيلون شكوكهم بيقينه، وهو الركن الركين والحصن الحصين، وصعب مراسه فلا يقتنع حتى يقنع نفسه بنفسه، ولا يسير حتى يتثبت، ولا يعمل حتى يتروى، لقد غلب عقله هواه، وتحكم في أعماله، ميزته الرصانة والهدوء، فكان مقتصدا في حركاته، قليل الكلام كثير الفكر، ثاقب الرأي يدرس الخطط ويدققها قبل الشروع فيها، ينال بالتؤدة والحكمة ما لا يناله غيره بالقوة والشدة، ويسدد خطاه فينجح النجاح الباهر عندما يظن الظان أن الخيبة حاقت به، وهو في إيمانه ووطنيته كالبركان الساكن، قد يغتر الإنسان بمظاهره عندما يراه وادعا، حتى إذا ما رآه يخطب في الجماهير يعرف حقيقته ودفائن نفسه، فيلهب الحماس في القلوب ويقود الرجال قيادة القوى الجسور، وتزداد جرأته وثباته وصبره وأناته بقدر ازدياد الشدائد والمحن والأخطار.