وقد كثرت الضحايا بوجه خاص بين النساء الحبالى، وقد أجهض عدد كبير منهن في منطقة الساحل و«الجنوب التونسي.»
وأصبحت أرزاق التونسيين كلها، ومؤنهم تحت رحمة الحملات العسكرية الإرهابية، فقد نهبت قطعان كاملة من الغنم في منطقة «قابس» وتم الاستحواذ في المناطق التي منيت «بالتطويق» على أنواع مختلفة من الممتلكات، وبيعت المواشي بعد أن سرقت من أصحابها، وانتشرت إعلانات الإفلاس بين التجار والمزارعين.
وكانت المواصلات بين العاصمة «تونس» والمناطق المنكوبة تقطع عن عمد، وأخذت قوات مسلحة متنقلة تنشر الرعب في البلاد كلها بعد أن قسمتها إلى مناطق معزولة تماما بعضها عن بعض، تسهيلا لعمليات القمع.
أما الصحافة الفرنسية فقد كانت توقد نار البغضاء والحقد، وتناشد بزيادة العنف وسفك الدماء، ولا تشير إلى حوادث القمع إلا بنشر بلاغات السلطات الفرنسية، وكلها تلفيق وكذب، فكانت تلك الصحافة تنشر يوميا أخبارا عن موت بعض التونسيين، وتدعي أنه ناتج عن «تناول بعض القنابل اليدوية والمفرقعات الحربية»، وذلك تدليس للحقيقة، والواقع أنها قنابل يدوية ألقاها الجنود الفرنسيون الذي يجوبون الطرقات في كل الاتجاهات على التونسيين، وهكذا لقي عدد كبير من الرعاة والفلاحين والبدو حتفهم.
ولم يسلم من ذلك الاضطهاد حتى المعتقلون المبعدون في محتشدات الصحراء، فقد اتخذت ضدهم إجراءات شديدة، فمنع عنهم الراديو والصحف، وألغيت الراحة اليومية، وضيق عليهم في القوت والطعام وفي البريد والرسائل وفي الاغتسال والنظافة، وصاروا عرضة للإهانة والتعذيب.
إن القوات الفرنسية المعتدية خرجت عن كل الاعتبارات الإنسانية، وارتمت في الأعمال الوحشية في أواخر أغسطس وأوائل شهر سبتمبر 1953، وقد ركبهم الغيظ والحنق واستولى عليهم البغض والحقد، لما رأوا وحدة التونسيين العتيدة وخيبة الإصلاحات المزعومة التي أدخلت على نظام الأقاليم والبلديات وارتاعوا لفرار 45 وطنيا من السجن الفرنسي، وجن جنونهم لأن الشعب التونسي لم يستسلم ولم يطأطئ الرأس ولم يتخاذل ولم يستكن، وأخذتهم نشوة الإجرام «بنجاح العملية المراكشية» وشجعتهم في أعمالهم مؤامرة الصمت والسكوت عنهم، فالبرلمان الفرنسي في إجازة فلا يخشون استجوابات النواب التي تطالب بوقف السواعد الفتاكة السفاكة للدماء، وكانت عملية «التطهير» المتكررة قد أحدثت في الرأي العام الفرنسي والعالمي ضربا من التعود والسآمة، فحدت من تأثره وعواطفه، وقلت الأصوات التي ترتفع في الخارج للتنديد بتلك الجرائم المتجددة.
لم يحتمل الفرنسيون ما رأوه من تضامن وثيق بين الشعب التونسي والشعب المراكشي عند خلع جلالة السلطان سيدي محمد الخامس، فاشتدت قسوتهم، وازداد بطشهم وتفاقم قمعهم.
لقد دبر المستعمرون الفرنسيون مؤامراتهم بليل، وقاموا بتمثيل روايتهم القذرة، فصلا بعد فصل، واستخدموا فيها صنائعهم وعبيدهم من الخونة المارقين من باشاوات وقياد (مديرين) وشيوخ القبائل البربرية ومن يدعون علماء الإسلام والإسلام منهم براء أمثال عبد الحي الكتاني، فاجتمع هؤلاء المارقون من الدين والوطنية تحت رئاسة القلاوي بمدينة مراكش وأعلنوا خلع سلطانهم الشرعي، وثاروا على النظام والقانون تحت حماية السلطات الفرنسية التي كانت تلقنهم دورهم وتتصل بهم الاتصال الوثيق، فقد زارهم في جحرهم الموظفون الكبار من الفرنسيين والمقيم العام الفرنسي الجنرال جيوم ليراقبوا سير المؤامرة التي حاكوها هم بأنفسهم، وأخيرا في يوم 20 أغسطس تمت المأساة واعلم الجنرال جيوم سيدي محمد الخامس في الساعة الثانية بعد الظهر أن فرنسا قررت خلعه، وأخذ الملك عنوة من قصره وجر جرا وهو في لباس النوم، صحبة أبنائه إلى المطار ونقل فورا إلى جزيرة كورسيكا الفرنسية، فنكثت فرنسا تعهدها بحماية شخص السلطان وهي وصمة لن تنسى، وعار لن يمحى، وقد اختارت السلطات الفرنسية يوم عيد الأضحى لترتكب فعلتها الشنيعة فشعر كل تونسي بل كل عربي، وكل مسلم أنها إهانة مقصودة، وحط من كرامته وضربة موجهة له شخصيا، فكان جرح لا يندمل، وبلغ الحنق والغيط أقصاه في تونس وهاجت عواطف الشعب، وتوالت الإضرابات والمظاهرات، فاغتنمتها السلطات الفرنسية فرصة لتنزل على تونس تلك الضربات التي قصصنا بعضها.