وسافر الجنرال جارباي في 10 أغسطس بطريق الجو إلى باريس، ويظهر أن القوات الفرنسية أخذت منذ ذلك التاريخ تنفذ أوامر تلقتها بنشر الإرهاب وتسليط القمع بأشد قسوة في مناطق «الساحل» و«الدخلة» و«الجنوب التونسي» أي في المناطق التي استفحلت فيها المقاومة الوطنية و«كانت - حسب التعبير الرسمي الفرنسي - مسرحا لبعض الحوادث.»
وأخذ النساء والشيوخ والأطفال يهاجرون المدن والقرى فارين بأنفسهم إلى الجبال والبوادي من «الرصاص الضائع» الذي تمطره القوات الفرنسية وهي لا يردها رادع.
وقد عززت حالة الحصار بفرض منع التجول على تلك المناطق التي تمتاز بكثرة السكان ونشاطهم فبات التجول ممنوعا منعا باتا من الساعة السادسة مساء إلى الساعة السادسة صباحا، فأصيب العمل الفلاحي في الموسم الزراعي بضرب من الشلل بواحة «قابس» وأراضي «الساحل» وبساتين «الدخلة» وكانت الحالة الاقتصادية والاجتماعية حرجة جدا من قبل، فأصبحت تنذر بالشر المتطاير والخطر الداهم، بل أصبحت مأساة يعيشها شعب كامل.
وسحبت السلطات الفرنسية من سائقي سيارات الأجرة رخصهم، وحكمت عليهم بالنفي، أو زجت بهم في السجن بدعوى أنهم ينقلون «الثوار» ويمدونهم بالأسلحة والذخيرة، فكانت حيرة هؤلاء السائقين كبيرة، لأن تلك الرخص قد كلفت كل واحد منهم خمسمائة ألف فرنك، علاوة على «الهدايا» التي قدموها لذوي النفوذ للحصول عليها.
ولم تجد السلطات الفرنسية - العسكرية والمدنية - مبررا لأعمالها العدوانية فاختلقت الأعذار اختلاقا، وعجزت عن توجيه أية تهمة، فلجأت إلى التلفيق والكذب الصراح، واحتدت غيظا لأنها لم تعثر على أي شيء يخالف القانون عند تفتيش بيوت الوطنيين، فعمدت إلى إخفاء بعض «الأسلحة التي تحمل طابع صانعها» في تلك المنازل لتتمكن من اعتقال «المجرمين الخطرين» بتهمة إخفاء السلاح.
وازداد هكذا القمع شدة واستحكاما وذلك: (أ)
بالقيام بعملية تفتيش «المشبوهين» قبل الشروع في الاعتقالات والتطهير. (ب)
بتمزيق أجساد الوطنيين بالسياط والتنكيل بهم في الساحات العامة. (ج)
بإعدام القادة الوطنيين المحليين بدون محاكمة.
وبدعوى أنهم استخدموا الأسلحة ضد قوات الأمن.
وسعت السلطات الفرنسية التي تتولى القمع في الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية على طريقة أخذ الرهائن وتنفيذها علانية، فلم تفلح ولكنها ضربت برأي باريس عرض الحائط ونفذت تلك الطريقة تنفيذا قاسيا.
واعتقل طبقا لنظام الرهائن، السيد البشير بن المبروك الجزيري الأمين العام المساعد لنقابة المزارعين المنتجين بمنزل قابس، عندما كان يباشر عمله، واتهموه بمساعدة «الثوار» وساقوه تحت حراسة الجنود المسلحين إلى بيته، حيث تظاهروا بالقيام بعملية التفتيش، ثم قتلوه رميا بالرصاص في غرفة نومه أمام زوجته وأولاده، وشوهوا جثته وشدخوا رأسه، ثم لفه الجند في لحاف، وأخذوه معهم، وألقوا به في إحدى الحفر، ومنعوا عائلته من الاقتراب من تلك الحفرة ومن غسله وتكفينه والصلاة عليه، وأقاموا هناك حراسة مع الأمر بإطلاق الرصاص على كل من يأتي لزيارة قبر الشهيد.
وفي يوم 12 أغسطس اقتحم الجنود الفرنسيون بيت عمة الدكتور محمد ابن صالح ببلدة «المكنين» في منطقة «الساحل» وحطموا أبواب البيوت ودخلوها عنوة، فارتاعت النساء، وارتفعت أصواتهن بالصراخ، فهب الناس يستفسرون عن الأمر فتلقاهم الجنود بإطلاق الرصاص، فسقط الشهيد محمد ناصولي قتيلا، وجرح عدد كبير من الحاضرين.
وفي يوم 14 أغسطس ألقي القبض ببلدة «القلعة» الكبرى بوجه خاص ومنطقة سوسة بوجه عام على نحو ثلاثين وطنيا ونقابيا من المنتمين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للزراعة، والاتحاد العام للصناعة والتجارة، بتهمة حمل السلاح وبإخفاء الذخيرة وهي في الحقيقة ذخيرة دستها السلطات الفرنسية في بيوتهم عند تفتيشها.