تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما رأى الفرنسيون أن الزمام أفلت من أيديهم وأن الانتخابات أخفقت إخفاقا شنيعا في بحر من الدماء والاضطرابات، أخذوا يكيلون الضربات جزافا، فاعتقلوا أكثر من خمسة آلاف شخص من جميع الطبقات ونظموا الحملات البوليسية والعسكرية ضد بعض ضواحي العاصمة وضد مدينة «المكنين» و«الحامة» وغيرهما، واشتد احتلال المدن وخاصة العاصمة من قبل الجيش الفرنسي والقوات المسلحة الأخرى، وعطلت جريدة الصباح وهي أكبر جريدة يومية في تونس. (1-14) الأزمة بين الحكومة الفرنسية والباي

واشتدت الأزمة بين الحكومة الفرنسية وجلالة الباي، وبمجرد أن أذيع نبأ مصرع القسطلي أبلغ وزير الخارجية الفرنسية بواسطة المقيم العام رسالة إلى جلالة الباي يطلب فيها ثلاث مسائل: (1)

دعوة التونسيين إلى التزام الهدوء. (2)

استنكار الاغتيالات التي ذهب ضحيتها القسطلي وغيره من أذناب الفرنسيين. (3)

دعوة الشعب للإقبال على الانتخابات والاشتراك في التصويت.

قدم هذه المطالب إلى جلالة الباي المقيم «دي هوتكلوك» بعد ظهر يوم 2 / 5 / 1953، ولكن الباي رفضها جميعا وعاد المقيم العام بدون نتيجة وفي الليلة نفسها طلبت السفارة الفرنسية من القصر الملكي في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تحديد موعد عاجل للسكرتير العام الفرنسي للحكومة التونسية، ولكن الملك رفض رفضا باتا قبول السكرتير العام في تلك الليلة، وفي الغد مثل السكرتير العام أمام جلالة الملك، وبعد أخذ ورد دام نحو ساعة كاملة أصر جلالته على رفض الطلب الخاص بدعوة التونسيين للتصويت واكتفى بصدور بيان مقتضب باسم جلالة الملك يدعو جميع السكان وليس التونسيين فقط - إلى التزام الهدوء والامتناع عن أعمال العنف، وهو يشير بذلك إلى مقتل المرحوم «فرحات حشاد» بأيدي الفرنسيين، ولا شك أن صدور البلاغ بهذا الشكل، وبعد الأخذ والرد لا يمكن أن يخدم الغرض الذي كان يقصده الفرنسيون من ورائه. (1-15) صدى الأزمة في الخارج

وقد كان لهذه الأزمة صدى كبير في الأمم المتحدة وفي الجامعة العربية وفي فرنسا نفسها، ففي فرنسا اهتمت الصحافة اهتماما كبيرا بتطورات الحالة في تونس، وأعربت كثير من الهيئات والصحف عن استنكارها لهذه السياسة التي تضر بمصالح فرنسا وبسمعتها، واجتمعت الحكومة الفرنسية عدة مرات لبحث الموقف في تونس، وبدأ التفكير في تغيير المقيم العام «دي هوتكلوك» الذي يتزعم هذه السياسة الخرقاء.

وفي هيئة الأمم المتحدة نشطت الكتلة الأفريقية الآسيوية وضاعفت الجهود لعرض القضية على مجلس الأمن.

وفي الجامعة العربية دعا مؤتمر وزراء الخارجية العربية المجتمع بالقاهرة في شهر مايو 1953 الأستاذ صالح بن يوسف لشرح الموقف على المؤتمر مجتمعا بكامل هيئته، وكانت القضية التونسية محل بحث المؤتمر واللجنة السياسية ومجلس الجامعة، وتقرر توحيد القضايا العربية العامة، ومن بينها القضية التونسية واعتبار حلها جميعا شرطا أساسيا لتتفاهم مع العرب، كما صدر بيان عن الجامعة العربية بتجديد التأييد لقضية تونس وبقية قضايا المغرب العربي. (1-16) الخلاصة

وهكذا أخفقت فرنسا في فرض وجهة نظرها بالقوة على التونسيين وانكشفت المؤامرة للرأي العام العالمي الذي أرادت تضليله، وأضيفت صفحة أخرى سوداء إلى ملف فرنسا في هيئة الأمم المتحدة. (2) الإرهاب الرسمي

ما من أسلوب في القمع إلا واتبعته السلطات الفرنسية في تونس، وما من سبيل في البطش والتنكيل والانتقام إلا وسلكته، وما من طريق لإدخال الوهن على التونسيين إلا وسارت فيه، من وعد ووعيد وعهد وتهديد ولين وإنذار، فاتصلت منها المكاره، وغمر ضرها البلاد، وشمل شرها العباد، حتى ثقلت وطأتها في كل جهة وناحية ولم تسلم من بأسها وسطوتها عائلة، وكانت غاية دي هوتكلوك وأنصاره وأتباعه أن يجتثوا الحركة القومية من فوق الأرض، وأن يستأصلوا الفكرة الوطنية ويبيدوا الوطنيين، بتخضيد شوكة الشعب، وتحطيم معنوياته، وطمس روحه، ولكن شجرة الوطنية بتونس متمكنة أصولها، باسقة فروعها.

تونس الثائرة · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢١٠