تلك هي الظروف التي تم فيها توقيع المرسومين الخاصين بالمجالس البلدية والإقليمية، وبما أن الفرنسيين مصممون على المضي إلى آخر الشوط فقد حددوا مواعيد إجراء الانتخابات لهذه المجالس كما يلي:
مجالس المقاطعات:
من 13 إلى 23 أبريل 1953.
مجالس البلديات:
من 3 مايو 1953.
وفي 10 مايو 1953.
ومما يدل على العقلية الممعنة في العدوان التي يمتاز بها المستعمرون الفرنسيون أن السلطات الفرنسية التي حرصت كل الحرص على فرض المرسومين على التونسيين جعلت تبذل كل ما في استطاعتها من بعد ذلك، لتحول دون نفوذ المرسومين بصورة سليمة، وأخذت تعمل على «طبخ» الانتخابات بكل وسائل الإكراه والتزييف والضغط والتزوير، وافتضحت المناورات الاستعمارية قبل بداية الاقتراع إذ أخذت السلطات تعتقل الناس في مختلف أنحاء البلاد وتصدر أوامر الإبعاد ضد الأعيان والشخصيات المعروفة، فتخرجه من المناطق التي يقيمون فيها، وأعدت قوائم الناخبين بصورة أثارت عاصفة من الاحتجاجات في جميع المناطق حتى بلغ الأمر بالفرنسيين أن سجلوا في تلك القوائم عددا كبيرا من الأموات بينما ظل عشرات الألوف من الناخبين غير مسجلين، وعمد الفرنسيون أيضا إلى إكراه أشخاص معينين على ترشيح أنفسهم، هذا علاوة على الوسائل الأخرى الدنيئة، كالرشوة وتوزيع المواد الغذائية على قدماء المحاربين وغيرهم. (1-10) مقاومة الإصلاحات
أما التونسيون فقد وقفوا موقفا صريحا من هذه المناورة الاستعمارية وتجلى في هذه المرة أيضا اتحاد الكلمة والتضامن القومي.
فقد أعلن الحزب الحر الدستوري أنه لن يسمح للمستعمرين بأن يفرضوا على البلاد إرادتهم وأنه يدعو الشعب لمقاطعة الانتخابات لأن الإقبال عليها معناه الرضى بالعدوان والإكراه، والاشتراك في مناورة تهدف إلى القضاء على السيادة القومية بإشراك الفرنسيين في مؤسسات الدولة التونسية.
واجتمعت كافة الهيئات التونسية ورفعت مذكرة موحدة إلى جلالة الملك أعلنت فيها احتجاجها على هذه الإصلاحات والانتخابات.
وأخيرا وجه جلالة الملك رسالة احتجاج إلى «البكوش» بتاريخ 17 / 4 / 1953 سجل فيها أعمال الإكراه والضغط التي تقوم بها السلطات لمناسبة الانتخابات.
ولكن الفرنسيين أصروا على إجراء الانتخابات في موعدها، فكان ذلك إيذانا ببدء صراع دام بين الشعب والفرنسيين. (1-11) الصراع الدامي
استجاب الشعب لنداء قادته الوطنيين وقاطع الانتخابات، وظلت معظم الدوائر بدون مرشحين وامتنع الناخبون عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، فما كان من السلطات الفرنسية إلا أن عمدت إلى القوة لترغم الناس على الاقتراع، فتصدى الشعب يدافع عن أبنائه ضد أعمال الإكراه الفرنسي.
فنتج عن ذلك اصطدامات لا تحصى بين جماهير الشعب وبين القوات الفرنسية، فقامت السلطات الفرنسية باعتقال المئات من التونسيين في مختلف أنحاء البلاد وخاصة في مدن «سوسة» و«صفاقس» و«قابس» و«القيروان» وغيرها. (1-12) عقاب الخونة
ووقف الشعب بالمرصاد للخونة القلائل الذين أجرهم الاستعمار ليؤازروه في هذه المناورة ولم ينج منهم أحد سواء كانوا في العاصمة أو في الأقاليم، وقد امتدت يد الشعب إليهم ومضت عليهم حتى ولو كانوا في أطراف المملكة، وفيما يلي أهم الحوادث وهي تبين انتشار عملية الانتقام الشعبي من الخونة في كافة أنحاء البلاد:
في مدينة المكنين:
قتل الطيب بن غشام لأنه جاء يدعو للانتخابات، وهو شقيق وزير الصحة في الحكومة الخائنة.
في مدينة قصر هلال:
قتل أحمد بن صالح الممي لاشتراكه في الانتخابات.
في مدينة الحامة:
قتل محمد بن الحاج خليفة في داره وهو الخائن الوحيد الذي استطاع الفرنسيون ترشيحه في الانتخابات.
في العاصمة:
قتلى الشاذلي القسطلي لأنه تحدى الشعب ورشح نفسه للانتخابات.
وكان مقتل القسطلي الحادثة الكبرى، فقد تم في قلب العاصمة وفي رابعة النهار والمدينة ترزح تحت الأحكام العرفية ودوريات الجند تحرس الشوارع، وكان اغتيال القسطلي ضربة قاضية للمستعمرين ولأذنابهم، فقد كان القتيل نائب رئيس البلدية وصاحب جريدة يومية وعونا من أكبر أعوان الفرنسيين مكرا ودهاء مشهورا بخيانته وتحديه للشعب، ودل سقوطه على أن الشعب التونسي هو سيد الموقف في بلاده وأن أذناب الاستعمار لم يعودوا يجدون الحماية الكافية لدى فرنسا، لذلك لم يكد الخائن الأكبر «البكوش» يسمع بنبأ مصرع القسطلي حتى هرع إلى الإقامة العامة الفرنسية مطالبا بحماية حياته وحياة زملائه وتعزيز الحرس على أشخاصهم، وعرض استقالة جماعية للوزارة، ولكن المقيم العام رفض الاستقالة ووعده بالحماية الكافية. (1-13) رد الفعل الفرنسي