أراد هكذا دي هوتكلوك أن يستثمر اغتيال فرحات حشاد واعتقال أصحابه وقد عاجلته مناقشات الأمم المتحدة للقضية التونسية، فسعى بجد لوقفها، وشن حرب أعصاب شديدة عنيفة على الملك الذي عرف بحكمته وحزمه كيف يربح الوقت، فلم تتمكن الحكومة الفرنسية من أن تعلن استئناف المفاوضات قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قرارها النهائي، فمن هذه الوجهة خسرت الصفقة الاستعمارية، ولكن فرحات حشاد قد مات.
وقد اعترفت جميع الأوساط الفرنسية بأن سياسة الاضطهاد خابت بتونس، وأن فرنسا أصبحت في مأزق يصعب الخروج منه، وأنها هي وحدها التي تتحمل مسئولية ما يمكن أن ينشأ من أخطار جسام على نفس وجودها بالمغرب العربي، وشرحت جريدة «لوموند» في مقال افتتاحي تلك المخاوف الفرنسية قالت:
يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية قد غيرت موقفها تغييرا واضحا فيما يتعلق بالمحميتين في شمال أفريقيا، فكلف الرئيس ترومان «م. جسوب» بتلك المهمة، كما كلفه إثر انتخابات 1948 بقلب السياسة الأمريكية نحو إسرائيل، وذلك بسحب التأييد للدول العربية.
فهل في ذلك انتصار لسياستنا؟ فإن واشنطون تؤيد سياستنا في نقطة معينة، في أن معاهدتي «باردو» و«المرسى» هما المتحكمتان وجوبا في العلاقات الفرنسية التونسية، وقد ذهب «م. جسوب» إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن حكومته تضع ثقتها في فرنسا.
ولكن ينبغي ألا نغتر بمدى ذلك «الانتصار» فهو لا ينافي تأييد الولايات المتحدة للمشروع البرازيلي الذي وإن طالب استئناف المفاوضات الثنائية - إلا أنه عين لها كمرمى «تشكيل حكومة تونسية مستقلة» فهو يعترف ضمنيا، رغم نكير فرنسا واستنكارها بحق نظر الأمم المتحدة في القضية.
ومهما يكن قتلة فرحات حشاد فإن من حقنا أن نعتقد أن أشد المشوشين تعصبا كانوا يترددون في ارتكاب أي عمل إجرامي لو لم يعتقدوا أن في إمكانهم الاعتماد على بعض التأييد في الشرق الأدنى وفي وسط الأمم المتحدة نفسها، وكان من المتوقع الحتمي تقريبا أن جو العنف سيجرف الأوساط الفرنسية بتونس.
ولكن فرنسا لا تستفيد أبدا من تحميل غيرها المسئولية الناجمة عن نقائصها وأغلاطها، فيكون من السهل على الولايات المتحدة أن تجيب بأن عدم تحمل المسئولية من طرف البرلمان الفرنسي أجبرها على التدخل، وخاصة أن ذلك البرلمان ظهر بمظهر المتخاذل المتنازل عن كل نفوذ خلال استجواب بقي من غير خاتمة.
إن الولايات المتحدة تؤيد اليوم تأييدا فاترا نقطة من النظرية الفرنسية، فهل تكفي تضحية ذلك العدد العديد من الأرواح البشرية، وتلك المرارة في العلاقات بين فرنسا وشمال أفريقيا؛ لكي نتخلص من تلك السياسة العمياء التي قادتنا إلى الحالة الراهنة لما فيها من وعود ثم رفض، ومن تردد ثم اضطهاد شديد.
أحد عشر قطرا أمريكيا لاتينيا ومعهم الولايات المتحدة يلحون علينا اليوم لاستئناف المحادثات الثنائية المباشرة التي لا تريد الحكومة حلا إلا بواسطتها، فعلى وزرائنا إذن أن يوضحوا مع من تكون تلك المحادثات وعلى أي أساس، وهل تسمح السياسات الخمس أو الست التي فرقت البرلمان والوزارة فرقا بالأمل في تحديد خطة حازمة للسير بتونس نحو الهدف المعين؟
وأن أول مشكلة تتطلب الحل هي اختيار المتفاوضين، ولقد اختطف المنون - في مأساة مؤلمة - أحدهم، وكان الباي الذي ظهر جادا في عدم التساهل، يقيم اعتبارا لنصائحه، ولا يرى السيد البكوش عمله إلا مقتصرا على القيام بالأمور العادية، فمن بقي يا ترى؟
فإذا ألغينا استخدام القوة الصرفة الذي نريد تجنبه، فإن كل محادثة تتطلب مخاطبين مستعدين لبحث شروط اتفاق، ولكن على أي أساس؟ فإن البرامج الضيقة لم تمكنا من الخروج من المأزق، وأن اضطرابات الدار البيضاء (44 قتيلا مراكشيا وثمانية أموات فرنسيين) تبين بوضوح أنه لو لم نصل بسرعة إلى الاتفاق على برنامج عمل تظهر نتائجه تدريجيا مع الزمن فإن التطور السلمي لأفريقيا الشمالية كلها يصبح مقضيا عليه، وربما يقضى عليه بصفة نهائية.