تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الاهتمام كبيرا في تونس بسفر الكولونيل «جريبيوس» إلى باريس وقد علم أن المقيم العام طلب من رئيس ديوانه العسكري أن يرفع للحكومة الفرنسية مذكرة في وصف الحالة تؤيد خاصة أن بعض أفراد العائلة المالكة مصرون على المعارضة في استئناف المحادثات الفرنسية التونسية، وأن موقف سيدي الأمين إزاءنا قد يتأثر بتلك المعارضة. ... ويمكن أن نلاحظ - رغم عدم صدور أي تعليق رسمي أو شبه رسمي - أن المقيم العام منذ أن التحق بمنصبه مقتنع بأن الباي كان يمكن أن يكون أكثر استعدادا لقبول المطالب الفرنسية لو لم يكن محاطا بمستشارين يثبطون عزمه على الرضى بمقترحاتنا أو حتى على مناقشتها.

وقد سعى «م. دي هوتكلوك» منذ شهر مارس الماضي في إزالة تلك السدود ووقع هكذا «إبعاد» المسيو شنيق ووزرائه بصفة وقتية.

وظهر السيد بكوش بمظهر من وضع الباي ثقته فيه مدة من الزمن، ولكن سيدي الأمين أوضح جليا منذ أسابيع بل منذ أشهر ... وكتب ذلك أحيانا، أنه يعتبر التشكيلة الوزارية الحالية مفروضة عليه فرضا، وكان في ذلك الوقت يستشير إما مباشرة أو بطريق ابنه الأمير الشاذلي تارة وزراءه القدماء، وطورا ممثلي الاتحاد العام التونسي للعمل، وطورا آخر نواب الدستور الجديد.

وقد اغتيل فرحات حشاد في الأسبوع الماضي، و«أبعد» بعد أيام من ذلك عدد من القادة النقابيين والسياسيين، وفي الوقت نفسه عبر عن الرغبة في أن يقلل وزراء قدماء من زيارة سيدي الأمين.

فلم يبعد من المستشارين في الدائرة القريبة من الباي إلا أبناه الأميران الشاذلي ومحمد وابنته الأميرة زكية وصهره الدكتور ابن سالم الذين يسكنون على مقربة من قصر قرطاجة.

فمن الواضح الجلي أنه ينبغي للمقيم إن أراد إتمام ما شرع فيه منذ أشهر، أن يصل إلى أن يصبح الباي ولا يستشير غير وزرائه.

وبعد أيام قليلة استفحلت الأزمة واشتد التوتر بين القصر والإقامة العامة، فقد هجم دي هوتكلوك على الملك هجوما، وقابله يوم 15 / 12 / 1952 مقابلة جبرية، وأعلن إثرها في الصحف ما نشرته جريدة «لوموند» في 16 / 12 / 1952 تحت عنوان «مقابلة حاسمة بين سيدي الأمين ودي هوتكلوك.

استقبل الباي «م. دي هوتكلوك» في آخر الصباح في قصره بقرطاج، فإن كان المتخاطبان لم يخرجا في مقابلتهما السابقة من الحديث التشريفاتي نظرا للحالة الصحية التي كان عليها الملك، فإن مقابلة اليوم التي دامت ساعة تقريبا قد أظهرت تراجعا في موقف سيدي الأمين.

وإن أخبارا من تونس تفيد «من مصدر وثيق» حسب مكاتب (رويتر) - اتخاذ إجراءات هامة تتعلق بالأمن العام، وأن الباي وقع على عدة مراسيم كانت معطلة إلى اليوم، وسيمكن إصدارها من استئناف حياة البلاد الإدارية، وقد وعد الباي أيضا «م. دي هوتكلوك» بأنه سيوقع بعد الظهر على مرسومين من مجموع الإصلاحات التي عرضت عليه من قبل.

وقد أضافت برقية من وكالة الأنباء الفرنسية أن ذينك المرسومين متعلقان بنظام العمال (المديرين) والبلديات ... وهما الأولان من المراسيم السبعة التي يتكون منها مشروع الإصلاحات التي أعدتها الدولة الحامية لإدخال النظام الديمقراطي على مؤسسات الدولية التونسية.»

ولسنا في حاجة إلى الملاحظة بأن المقيم العام كم جميع الأفواه وحرم الكلام على غيره، ومنع الصحف التي كانت كلها تحت الرقابة الشديدة من نشر أي خبر لا يرضاه، وأخذ يصرح كما يريد ويقول ما يشتهي، فجزم يوم 16 / 12 / 1952 جزما بأن الباي أعطاه مرات عديدة كلمة الشرف «واعتبرت من واجبي إعلام الحكومة بخطورة الحالة.» ولكن البلاط وجد طريقة لإعلام الرأي العام لتكذيبه البات للخبر الذي ادعى أن الباي تعهد بأن يوقع مشروعات المراسيم في أجل معين، وإذ ذاك انهالت التهديدات على الملك أولا بإبعاد أنجاله وثانيا بنوع من الخلع وذلك بتكوين مجلس وصاية ينوب عنه ويصبح النفوذ بيده.

تونس الثائرة · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢٠٥