وأما في مراكش فقد قررت نقابات العمال القيام بإضراب عام في القطر كله احتجاجا على اغتيال الزعيم النقابي، وتم ذلك الإضراب يوم الاثنين 8 ديسمبر ونجح نجاحا باهرا كاملا في القطر الشقيق بأسره، ولكن السلطات الاستعمارية اغتنمتها فرصة لتجعل منه كارثة، فقد قامت القوات المسلحة الفرنسية بقمع عنيف شديد ومجازر مهولة قتلت أثناءها آلافا من المراكشيين الأبرياء، وتبعتها باضطهاد شنيع وفظائع تقشعر منها الأبدان، وشملت الحركة الوطنية وأتباعها بالعدوان.
وشاركت مصر الشقيقة تونس في مصابها وكذلك العراق وبقية الشعوب العربية والإسلامية والشرقية، وكانت الصحافة من إندونيسيا وبورما والهند والباكستان وإيران إلى ليبيا تندد بإجرام الفرنسيين واعتداءاتهم الأثيمة، وكانت الشعوب تقيم السرادقات لتأبين الشهيد العزيز.
ولم تتردد المنظمات الحرة والأحرار في العالم عن إعلان استنكارهم واستفظاعهم لهذه الجرائم الاستعمارية، فقالت السيدة فيجايا لاكشمي بانديت شقيقة البانديت نهرو، ورئيسة الأمم المتحدة: «إنه يمكن القول على ضوء هذه الظروف المحزنة مثل اغتيال السيد فرحات حشاد بجبن ونذاله أن تونس أصبحت اليوم مركز اضطرابات يمكن أن تنشر وراء حدود البلاد وأن تهدد حقا سلام العالم.»
وقال «فيليب جاسوب» مندوب أمريكا بالأمم المتحدة: «لقد خسرت قضية السلم رجلا عظيما بموت فرحات حشاد.»
ونشرت اللجنة التنفيذية لجامعة النقابات العالمية الحرة المجتمعة بنيويورك في 5 ديسمبر 1952 البيان التالي:
إن اللجنة التنفيذية تعرب عن الصدمة التي شعرت بها من جراء ضربة القدر المؤلمة وغير المنتظرة التي لحقت بالعالم الحر باغتيال فرحات حشاد الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل وعضو هذه اللجنة.
وأن موت صديقنا وزميلنا فرحات حشاد خسارة لا تعوض بالنسبة للحركة النقابية الحرة في بلاده وبالنسبة للشعب التونسي كله، وفوق كل ذلك بالنسبة لقضية الحرية نفسها في العالم، وإنه لمن المصادفات المحزنة أن يقضي فرحات حشاد في حين أن مكانه يجب أن يكون باجتماع هذه اللجنة الآن ذلك المكان الذي رفضت الحكومة الفرنسية أن تسمح له باتخاذه.
إن جامعة النقابات العالمية الحرة ما فتئت توجه الإنذارات حول خطورة الحالة في تونس التي هي النتيجة الطبيعية لرفض الحكومة الفرنسية إجراء مفاوضات جديدة مع ممثلي الشعب التونسي حول مسألة استقلال تلك البلاد الذاتي.
وفي هذه الساعة المؤلمة نرى من واجبنا أن نصرح أنه يستحيل علينا أن نتجاهل مسئولية من لم يعرفوا كيف يفهمون رغبات العمال التونسيون والشعب التونسي جميعه، تلك الرغبات العادلة الديموقراطية وكذلك أن نلح في المطالبة مرة أخرى بإعادة الحقوق النقابية والمدنية والسياسية في الحال، والشروع في مفاوضات تهدف إلى إنشاء نظام سياسي ديموقراطي.
وعقدت الكتلة الأفريقية الآسيوية اجتماعا عاجلا في مقر الأمم المتحدة درست فيه التطورات الناتجة عن اغتيال فرحات حشاد في تونس وفي العالم.
واجتمع كبار قادة العرب غير الرسميين في القاهرة وتباحثوا في خطورة الحالة في تونس وألفوا لجنة قومية للدفاع عن المغرب العربي تحت رئاسة الدكتور محمد صلاح الدين وزير خارجية مصر سابقا.
وسعت السلطات الفرنسية في استثمار الجريمة واستغلال الإرهاب الرسمي والشبيه بالرسمي، فطلب دي هوتكلوك بمجرد رجوعه من باريس يوم الجمعة مساء مقابلة من الملك الذي كان طريح الفراش، فلم يقبله، ولم يمكنه هكذا من فرض إرادة المستعمرين وتنفيذ خطتهم وإكساب ما اغتصبه الفرنسيون من نفوذ الصبغة الشرعية، وادعى المقيم بعد أيام وإثر مقابلة مع الملك أنه حصل على كلمة الشرف منه بأنه سيوقع المراسيم المعروضة عليه، ولكن سرعان ما ظهرت الحقيقة ناصعة جلية وافتضح المقيم لأن الملك كذب رسميا ذلك الادعاء وصرح بأنه لم يعد بشيء، وتورط دي هوتكلوك من جديد وأراد أن يوقع غيره في الشرك فوقع فيه، ولم يوقع سيدي الأمين الأول على المراسيم المعروضة، ورفض كل مقابلة مع المقيم لخروجه عن اللياقة، وأبان مكاتب «لوموند» عن حالة دي هوتكلوك واضطرابه وحيرته في مقال استقى مادته من الإقامة العامة نفسها ونشره بتاريخ 13 / 12 / 1952 قال فيه :