واجتمع الجم الغفير في المساجد، فاكتظ جامع الزيتونة بآلاف من التونسيين يوم الأحد 7 ديسمبر منذ الصباح المبكر، وخرجت منه بعد الظهر مظاهرة شعبية رائعة قاصدين الإقامة العامة التي كان يحرسها قسم كبير من الجيش وتحميها السيارات المصفحة والدبابات والبوليس، وما أن وصل المتظاهرون إلى شارع الكنيسة حتى اصطدموا بالحرس المتنقل الذي منعهم من المرور وهاجمهم بعنف وأمطرهم بوابل من الرصاص، وبعد أن عززته قوات النجدات المتوالية، ارجع المتظاهرين إلى الجامع، وقد ادعت المصادر الرسمية كعادتها أن طلقات نارية صدرت عن الجماهير نحو قوات البوليس التي لم يصب ولا واحد منها، واعتقل عدد وافر من التونسيين، ولم يحص عدد الأموات.
وكانت الحالة متوترة جدا، والدوريات المدججة بالسلاح تجوب أحياء المدينة، ولا يسمح لأي تونسي بأن يخرج من الحي العربي إلا بعد أن يستظهر بأوراق تعريفه، وأن يفتش تفتيشا دقيقا ويهان وينكل به.
واستمرت الحوادث مدة طويلة، فكانت تونس مسرحا للاصطدامات أسبوعا بعد اغتيال فرحات حشاد، وكانت المساجد يوم الجمعة ملآى غاصة بالخلائق في جميع القطر، وأقيمت فيها كلها صلاة الغائب على روح الشهيد إثر صلاة الجمعة، وتعالى الدعاء من آلاف الأفواه، وساد الخشوع والجلال فبكي الناس تأثرا.
وخرج المصلون في مظاهرات هادئة منظمة في جميع أحياء تونس، وخاصة في حي باب سويقة وحي باب الخضراء.
وتظاهرت الوطنيات التونسيات في جهة باب الخضراء واصطدمن اصطدامات عنيفة بقوات البوليس ونظم إثرها الشبان مظاهرة أخرى في نفس المكان، فألقي القبض على أربعة منهم في معركة حامية.
وفي شارع الملاحة هاجم التونسيون محلات التجارة الفرنسية فكسروا ودمروا وأتلفوا، وفر الفرنسيون وقد ملأ الرعب قلوبهم، واستنجدوا بقوات البوليس والجيش التي لا تعرف رحمة.
وقرر الاتحاد العام التونسي للعمل القيام بإضراب عام لمدة ثلاثة أيام، فامتثل الشعب التونسي وأغلقت أسواق مدينة تونس منذ يوم الجمعة بعد الظهر، وكاد التموين ينقطع تماما ما عدا ما تأتي به بعض لوريات فرنسية، وأضرب عمال الرصيف فعطلوا حركة الميناء، وانقطع أيضا سير الترام إلا بعض العربات القليلة التي يسوقها فرنسيون.
وكان الإضراب في القطر التونسي كله أسواقه ومدنه وقراه عاما شاملا، في المواصلات والمعامل والدكاكين والمواني، والمناجم، وقد شارك فيه الموظفون التونسيون بالإجماع، وطلبة المدارس وجامعة الزيتونة والمدرسة الصادقية.
وكانت ليالي تونس تشبه نهارها كآبة وحزنا، وكان الإنسان يشعر بالوحشة والانفراد بعد ساعة منع التجول من الثامنة مساء إلى السادسة صباحا شوارع مقفرة خاوية على عروشها تحت مطر منهمر هطال لا مار فيها غير الدوريات العسكرية العديدة التي توقف المارة المتأخرين وتراقب سراح الجولان.
وقد قطعت المخابرات التليفونية، وتعطلت حياة المدينة تعطيلا كاملا إلى الصباح.
وأصدر الديوان السياسي البلاغ الآتي: «لم يكد يواري جثمان رفيقنا المحبوب فرحات حشاد التراب حتى أخذت قوات الاضطهاد الاستعمارية تعتقل قادة الحزب والاتحاد العام التونسي للعمل.»
وقد تمت تلك الإجراءات إثر الاغتيال الذي يعد جريمة جمعت بين الخسة والجبن، دبرتها ونظمتها عصابة مجرمين استأجرها المتفوقون، وهي تكتسي معنى واضحا لا يتطلب تعليقا، ويشبه ذلك العدوان سابقة يوم 26 مارس ويرمي مثله إلى تهديد جلالة الملك المعظم وإلى القضاء على المقاومة الوطنية.
ولكن الملك والشعب متضامنان متكاتفان في السراء والضراء، يردان بما لهما من قوة أدبية ومن مثل عليا في الحرية وروح التقدم على القوات الغاشمة التي يستخدمها نظام يحتضر.
وتضامنت الجزائر مع تونس في تلك الفاجعة وعقدت لتأبين فرحات حشاد الاجتماعات العامة في غالب المدن، وتظاهر شعب الجزائر في جهات عديدة.