تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن هو أكثر أذى لفرنسا؟ هل الذين بقوا أوفياء لأسمى تقاليدها أم الذين أعطوها وجها غير وجهها وأظهروها في غير مظهرها.

وقد كثر التحدث في الأيام الأخيرة عما قام به الفرنسيون بتونس، وهي أعمال عظيمة حقا، ولكن ينبغي أن نعترف أن السكك الحديدية والطرقات والمواني والمستشفيات والمدارس نفسها غير كافية لاكتساب اعتراف شعب وصداقته إن لم نأت له أيضا بالحرية والمساواة، وأن السيد المسعدي يقدر لفرنسا أن سمحت له بأن يحرز على التبريز في الفلسفة والدكتوراه في الآداب، ولكن من الصعب عليه أن يتغنى بمدح نظام يجرده من كل حق سياسي ويرسل به للسجن من غير مبرر.

ويجيب «م. دي هوتكلوك» أننا في وقت اضطرابات وأنه من المحتوم المحافظة على الأمن، كأن النظام هو الظلم وكأن الاضطرابات لم تكن نتيجة رفض منح الحريات لشعب كامل ...

ولاحظت جريدة لوموند: «أن الإجراءات التي اتخذت ضد عدد من القادة الدستوريين والنقابيين أدخلت الدهشة والاستغراب.» وذكرت ادعاءات الإقامة العامة بلهجة لا تخلو من الشك والتهكم الخفي.

لما قامت «اليد الحمراء» بدورها في المأساة الاستعمارية ونفذت الخطة التي وضعت لها، دخلت القوات الفرنسية المسلحة في الميدان لتزيد الخناق شدا والشعب تكبيلا وربطا، فأعلنت القيادة العليا حالة منع التجول لأجل غير مسمى، وكان قرارها الذي يظهر أنها أعدته من قبل ماضيا منفذا مساء يوم الجمعة من الساعة الثامنة - أي يوم اغتيال فرحات حشاد. وبقيت الجنود على تعبئتهم وسلاحهم في الثكنات استعدادا للقمع والتنكيل، وأخذت دوريات الحرس المتنقل تجوب تحت المطر شوارع مدينة تونس المقفرة الليل كله، وفي الصباح خرجت قوات مسلحة ضخمة تطوف في المدينة.

وأرادت السلطات العسكرية أن تحطم معنويات الشعب وأن تبث الرعب في قلوب المجاهدين وأن تنشر الإرهاب الرسمي حذو الإرهاب الشبيه بالرسمي، فنفذت الحكم بالإعداد على عدد من الوطنيين وأصدر القائد الأعلى لجيوش الاحتلال البلاغ التالي في صباح يوم الاثنين 8 / 12 / 1952:

قرر حضرة رئيس الجمهورية بتاريخ 3 ديسمبر في مجلس العدالة الأعلى وبعد النظر في مطالب العفو، أنه ينبغي للعدالة أن تتبع مجراها فيما يتعلق بالمسمين حمادي بيانكو (المعروف بزيدان) ومحمد بن الناصر والبشير بن خصيبة الذين أصدرت عليهم المحكمة العسكرية القارة بتونس في 11 يونيو 1952 حكما بالإعدام بتهمة القتل ومحاولة القتل، ووقع إعدام الثلاثة رميا بالرصاص في مدينة تونس في فجر 8 ديسمبر 1952. وعلقت الصحف على ذلك قائلة: ولأول مرة في تونس ينفذ حكم بالإعدام أصدرته المحكمة العسكرية.

ولا أظن تاريخ 3 ديسمبر قد اختير مصادفة، يومين فقط قبل اغتيال حشاد، ولا تاريخ اغتيال هؤلاء الشهداء (8 ديسمبر) ثلاثة أيام بعد الاغتيال، ويظهر الارتباط جليا بين إرهاب السلطات العسكرية وإرهاب «اليد الحمراء.» (6) تأثير الإرهاب ورد الفعل

لقد استبشرت الجالية الفرنسية وفرحت وأظهرت ارتياحها لذلك القمع العنيف الشديد وقد امتلأت قلوبها بغضا للتونسيين وحنقا عليهم وميلا للانتقام منهم، وكانت شماتتها بقدر خوفها على ضياع امتيازاتها ومصالحها غير المشروعة، وما فتئت تنادي بوجوب استخدام القوة واستعمال الضغط، ونشر الإرهاب وإبادة الوطنيين والقضاء على الشعب التونسي كشعب عربي مسلم، وقد عبرت جريدة «لوموند» عن عواطفهم بألفاظ تظهر الحقيقة خلال اعتدالها قالت: «وارتاحت الجالية الفرنسية للإجراءات التي اتخذتها الإقامة العامة والقيادة العليا، وما زال الأكثرية من الفرنسيين يعتقدون أن إظهار القوة في الحالة الراهنة قمين بإرجاع الهدوء لتونس.»

واعترى التونسيين الذهول وغلب عليهم الأسى وتملكتهم الهموم، وعدها الكثير منهم نكبة خاصة وفاجعة شخصية، وقد هجمت المصيبة على القلوب، فغمتها حتى رأيت الناس كالسكارى المبهوتين، ناسين كل شيء ما عدا وجه حشاد المشدخ وجسمه الدامي، وعم الحزن الشوارع والبيوت ولم تنقشع الدهشة إلا بعد مدة.

تونس الثائرة · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢٠٢