تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لماذا - يا ترى - أصبحت السلطات الفرنسية تعير بغتة وجود الأمير الشاذلي بجنب الباي من الأهمية ما جعلها تعتبر أن بقاء ذلك الأمير سيحتم إما التنازل أو الخلع؟ وعللوا ذلك بما يلي: أن بورقيبة المسجون وسط مائتي صياد بجزيرته الشبيهة «بسانت هيلينة» الفاصل بينه وبين شواطئ تونس البحر، قد نسيته الجماهير وإن لم ينسه المخلصون له، ويأتي بعد بورقيبة، فرحات حشاد الذي كون نقابات ديكتاتورية، وقام بحملة إرهابية، فأزيل فرحات حشاد من الطريق، وما كان لأي منهما قيمة لو لم يتحدا مع الباي بواسطة ابنه، فبورقيبة مبعد، ومنافسه صالح بن يوسف هارب في الولايات المتحدة، وفرحات حشاد مقتول، فلم يبق للثورة السرية إلا مائة وأربع رءوس، منهم مائة وثلاثة مبعدون اليوم في الجنوب برمادة وبرج القصيرة (ويقال بصفة رسمية أن السجن الإداري سيقف عند هذا الحد) ولكن رقم مائة وأربعة لا يمكن أن يمس.

فلا يمكن لكاتب استعماري أن يكون أكثر رقاعه ووقاحة.

ومن أسباب الاغتيال، شل الحركة الوطنية وإدخال الاضطراب والفوضى فيها والقضاء على معنوياتها بالقضاء على قادتها إبعادا وسجنا وتقتيلا حتى تبقى جسدا بلا رأس وجثة بلا روح؛ ولذا كان قتل فرحات حشاد غير كاف وحده لبلوغ تلك الغاية، فاغتنمته الإقامة العامة فرصة لإتمام خطتها، وأبعدت بعد الحادث بيوم واحد إلى «رمادة» في صحراء الجنوب التونسي تسعة من قادة الاتحاد العام التونسي للشغل والحزب الدستوري الجديد وهم: الأستاذ محمود المسعدي الأمين العام للاتحاد والسادة عمر الرياحي عضو اللجنة الإدارية للاتحاد، ومحمود الخياري والصادق الشايبي من جامعة الموظفين التونسيين، ومحمد الري قائد نقابة عمال الرصيف، والدكتور الصادق المقدم المسير للحزب الدستوري الجديد، والمعروف بصداقته لفرحات حشاد، وعمر بوزيد من دستوري صفاقس، والأستاذ فتحي زهير أمين «لجنة الأربعين» التي استشارها الباي في مشروع الإصلاحات الفرنسية.

وقد أقدمت الإقامة العامة على «إجراءات الإبعاد» بدعوى أن القادة الوطنيين قد اتفقوا في اجتماع مشترك بين الدستور والاتحاد على القيام بثورة عامة، ثم لما رأت أن تلك الدعوى لم تصدق، عللت الإبعاد بحماية هؤلاء القادة من «اليد الحمراء .» فعلقت الجريدة الباريسية «فران تيرور» بكلام لاذع على الأدوار الهزلية المشينة التي يقوم بها دي هوتكلوك في مقال عنوانه: «الحامي المستهتر» قالت:

لقد تمت - بعد - ست إيقافات هامة إثر اغتيال فرحات حشاد. وكلهم من أصدقاء الضحية.

لا تظن أنك نائم غارق في الأحلام، وكان أول رد فعل ل «م. دي هوتكلوك» بعد رجوعه إلى تونس هو إلقاء القبض على محمود المسعدي الذي عوض المسكين حشاد في قيادة المنظمة النقابية التونسية وإرساله صحبة خمسة قادة نقابيين ودستوريين آخرين إلى رمادة على حدود الصحراء.

ويدعي أنهم «أبعدوا» محافظة على سلامتهم.

إن هذا النظام السياسي لعجيب؛ إذ ليس أمام المعارضة فيه إلا الإبعاد أو الموت، وأن علم الجمهورية يحمي هنالك بضاعة غريبة!

يقولون لنا إننا نعيش في نظام ديمقراطي وكأن المظاهر تؤيد ذلك القول في هذه الجهة من شواطئ البحر المتوسط؛ إذ لما كان الأستاذ محمود المسعدي المبرز في الفلسفة والدكتور في الآداب بباريس يدرس في «السربون» كان يرجع إلى بيته في المساء ولا ينذعر من كل دقة على بابه في الصباح، والأستاذ المسعدي نفسه يختطف اختطافا بعد رجوعه لوطنه وبلاده بإذن جبار يتصرف في الحظوظ كما تمليه عليه شهواته، ولكن ذلك الجبار ليس إلا موظفا فرنسيا.

ومهما أعادوا لنا وكرروا بأن تلك الأمور طبيعية، فإننا لا يمكن بحال أن نقبلها ونتعود بها، وإن عبرنا عن دهشتنا واستبشاعنا يعتبروننا فرنسيين غير صالحين ممن يساندون خصوم بلادهم وهي في موقف المتهم أمام الأمم المتحدة.

تونس الثائرة · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢٠١