وظهرت الحقيقة ناصعة جلية، وصرح بها الكاتب الفرنسي الحر فيسنيدوري فقال: «إن تغاضي السلطات الفرنسية الكامل عن مرتكبي الجرائم ضد التونسيين وعن الذين نظموا تلك الجرائم وسهروا على تنفيذها والذين أغروا بها وحرضوا عليها لهو الدليل القاطع على مشاركة الدولة وغيرها»، وأضاف: «إذا علمنا أن المستعمرين قد قالوا منذ عام وبينما كان شنيق يتفاوض بباريس أنهم لن يقبلوا اتفاقا لا يرضيهم وإذا علمنا أنهم قد أعدوا الكوماندوس للهجوم منذ ذلك الوقت، وقد عقدوا العزم على شدخ رأس فرحات حشاد «كما يشدخ رأس الحية» وإذا قرأنا النداءات للاغتيال التي يوجهها ذلك السافل «كاميل إيمار».» (وقد استقبلته الإقامة العامة بتونس في الصيف الماضي)، وإذا علمنا ضغط «السيناتور كولونا» على رجال «الكي دورسي» (مقر وزارة الخارجية الفرنسية) الذين لا إرادة لهم ولا عزم، فلا يبقى شك في أن المجرمين القتلة من المستعمرين الفرنسيين. «وهؤلاء مجرمون قتلة يتمتعون بحماية رجال ذوي نفوذ وسلطة؛ إذ لم يقع العثور عليهم إلى الآن والظروف نفسها التي ارتكبت فيها الجريمة - بين مركزين من مراكز البوليس يبعد الواحد عن الآخر خمسة كيلومترات، وفي الساعة الثامنة صباحا، وفي طريق كثير المارة - لا تبقى شكا في أنه لم يقع العثور عليهم، لأنه لا يراد طلبهم ولا التفتيش عنهم، ولم يقع التفتيش عنهم لأنهم معروفين.
ولا يمكن لغير الجيش والبوليس أن يتجول باطمئنان وهو مسلح بالرشاشات والمسدسات في بلاد تعيش تحت حالة الحصار في جو حرب منذ أشهر.
ولكن رغم ذلك كان للمجرمين سيارتان، جرحت الأولى فرحات حشاد برصاص مدفع رشاش، وأتمت الثانية قتله برصاص مسدسات. ... ولو كانت تصريحات شهود الجريمة تسمح باتهام الستالينيين (الشيوعيين) والدستوريين، فهل تظنون أنهم لا ينشرونها، ولا يشهرون بها؟» (5) أسباب الجريمة
إن أسباب الجريمة وإن تعددت تتلخص كلها في أن السلطات الفرنسية اعتبرت فرحات حشاد سدا في وجهها وعرقلة في طريقها ولم تجد وسيلة للتخلص منه غير الاغتيال، فهو من زعماء العمال الكبار في العالم تحميه منظمات العمال العالمية وخاصة النقابات الأمريكية، وهو زعيم وطني قد التف شعب تونس كله حوله، وهو مستشار الملك مسموع الكلمة مهاب الجانب، فلم تتجاسر الإقامة العامة على نفيه وإبعاده خوفا من إثارة عاصفة في العالم وخاصة في أمريكا، ولم يقدر البوليس على اعتقاله خوفا من ثورة عامة، ولم تتمكن المحاكم الفرنسية من توجيه أية تهمة ضده، وإذا بالصحافة الاستعمارية نفسها تتكفل بفضح سلطات الحماية وتظهر بالإشارة والتلويح والتلميح للأسباب الحقيقية التي أدت إلى اغتيال فرحات حشاد، إذ تعتبر تلك السلطات حشاد حجر عثرة في طريقها سواء في الشعب وداخل البلاد أو في الخارج، فلا بد من إزالتها، وظنت أنها عندما استراحت منه قد فتحت لنفسها الأبواب وحررت طريقها.
السبب الأول للاغتيال هو القضاء على أكبر مستشار للباي، وأعظم سند له، وإدخال الرعب في القصر الملكي كما اعترفت به جريدة «الفيجارو» الاستعمارية التي تستقي أخبارها من الإقامة العامة بتونس، قالت (8 / 12 / 52): «إن أهمية رسالة «م شومان» للباي تضاءلت بموت فرحات حشاد، وقد اطلع عليها ابن الملك والزعيم النقابي المستولي على القصر استيلاء، ولا ينتظر أن يكون الجواب عن تلك الرسالة عاجلا وإن كانت صريحة مكتوبة بصيغة الأمر لا تقبل تأويلا، وأن رد الباي الذي تم تحريره في هذا الأسبوع والذي ختم برفض مذكرة 26 نوفمبر فقد فقد بموت فرحات حشاد محرره الأصلي، وفقد القصر أعز مستشاريه، ويقال إن الشاذلي باي تأثر جدا بذلك الاغتيال.»
والسبب الثاني للاغتيال هو السعي في أن يصبح الباي في عزلة تامة لإضعاف معنوياته وإرضاخه لإرادة دي هوتكلوك، وأن الخطة لعزلة الباي باغتيال فرحات حشاد وإبعاد بقية مستشاريه كلهم كانت من الوضوح مما جعل تونس كلها تتفطن إليها، وإنا نجد الدليل على وجود تلك الخطة فيما أبرقه مكاتب «باري بريس» بتاريخ 10 ديسمبر، فقد لخص في سذاجة ووقاحة جميع خطة الإقامة العامة والمستعمرين وخاصة فيما يتعلق بتهديد الأمير سيدي الشاذلي نجل جلالة الملك بالإبعاد، وكان عنوان مقاله (مائة وأربع رءوس) وهذا نصها: