تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس المسئولون مباشرة على الاغتيال بمعروفين الآن، ولكننا عند التحقق نرى أن الحكومة الفرنسية تحمل قسطا وافرا من المسئولية في ذلك الاغتيال.

إذ إن الفرنسيين برفضهم فهم الحكم الشعبية والاجتماعية التي تضطرب اليوم بالشرق الأدنى وبمعارضتهم كل مفاوضة نزيهة مع المنظمات الوطنية المعتدلة بتونس التي تؤيد جهرة قضية الديمقراطية والعالم الحر وبإجراءاتهم التعسفية المدبرة والمعطلة لنشاط الاتحاد العام التونسي للشغل جعلوا من المستحيل على المعتدلين أمثال فرحات حشاد أن يصلوا إلى نتيجة إيجابية في أعمالهم.

ويمكن للمجرمين أن يقتلوا رجالا أمثال حشاد، ولكن لا يمكنهم أن يقضوا على المثل العليا التي كانت تغذي نشاطهم ولا على الحركات التي كانوا يقودونها.

وستستمر القوات التي شيدها حشاد في سيرها إلى أن تبلغ الغاية المنشودة وهي الحرية للجميع.

وإن «س-ي-و» لتعبر عن أخلص وأعمق عطفها على عائلة ورفقاء فرحات حشاد وعلى جميع من يكافحون في سبيل حرية تونس.»

وخطا عدد وافر من الكتاب الفرنسيين خطوة جريئة وأعلنوا بصراحة أن اغتيال الزعيم التونسي جريمة دولية.

فقال الكاتب الحر «جان روس» بعد عام كامل من الحادث: «مات فرحات حشاد، لقد اغتالوا فرحات حشاد»، ما كاد خبر تلك الفاجعة ينتشر حتى تيقن الرأي العام الشعبي رغم مداهنة التعازي الرسمية إننا أمام إحدى تلك الجرائم التي ترتكب لغايات دولية، فقيل إنهم لم يتجاسروا على اعتقاله بصفة رسمية ، فليقتله إذن بوليس إضافي، وقامت الحجة بعد عام على أن الحدس الشعبي لم يكن مخطئا إذ إن الحكومات الفرنسية المتوالية حرمت على قاضي تحقيق نزيه إمكانية الوصول إلى نتيجة بحثه، وبينما لم ينج من السجن ولو مكافح تونسي واحد، فإننا ما زلنا ننتظر اعتقال المسئولين عن اغتيال فرحات حشاد والمسئولين عن مئات أعمال الإرهاب التي ارتكبت ضد التونسيين.

وخاصة ضد واحد من خيارهم وهو الهادي شاكر عضو الديوان السياسي للدستور الجديد الذي كان تحت «حماية» البوليس الرسمي.

وقد فضح الكاتب الجريء «دانيال جيران» مؤامرة السلطات الفرنسية فقال: «لا أظن أن أسماء الفرنسيين الأشقياء الذين دنسوا بالعار عرض فرنسا في صباح 5 ديسمبر 1952 مجهولة في «الإليزية» (مقر رئاسة الجمهورية الفرنسية) ولا في «الكي دورسييه» (مقر وزارة الخارجية) ولا عند المطلعين على خفايا السياسة، وحتى في مكتب قاضي التحقيق، ولكن كل واحد منهم التزم الصمت والكتمان، فإن الجريمة كانت من الشناعة وكان الموزعون بها من علو في المناصب ما جعل الناس يخشون رفع الستار عن أسرارها.»

وخشية أن تفتح الأفواه المكممة وأن تذاع الحقيقة كان السيناتور «كولونا» يتوعد في المدة الأخيرة بصواعق القانون كل من تحدثه نفسه بإفشاء أسماء المجرمين أو حتى جنسيتهم. «وإن الصحافة الكبرى التي ترتمي عادة على الجرائم والفظائع ارتماء لم تنشر عن قضية فرحات حشاد إثر اغتياله، إلا مقالات مقتضبة كتبت وصدرت عن مكاتب الذين اغتالوه أنفسهم، ثم لم تعد تهتم بعد مدة وجيزة بمقتل الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، وهي تعتبر لا محالة تلك القضية قد انتهت.»

وشمل الغضب والحنق قسما كبيرا جدا من الفرنسيين أنفسهم الذين رأوا في تلك الجريمة وصمة عار لا تمحى في جبين فرنسا، فتضامن عدد وافر من الشخصيات الكبرى مع شعب تونس ووجه جماعة منهم البرقية التالية للمكتب الإداري للاتحاد العام التونسي للشغل «نأسى لاغتيال فرحات حشاد ونعبر عن تضامننا مع العمال المكافحين والشعب التونسي، نعد بنشاط لا هوادة فيه لإنزال العقاب بالمسئولين عن سياسة الشدة المرتكبين مباشرة أو بواسطة للاضطهاد والجرائم.»

وقد أمضى تلك البرقية خاصة أراجوان، وبوردي، ودمناشرة، ودي شيزل، وأميل كهن - ومادول، ولاكروا، ومارتيني، وروس، وستيفان.

تونس الثائرة · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٩٩