وبفضل بوليس متيقظ، كانت بعض الساعات كافية لإلقاء القبض على قتلة الطيب غشام والشاذلي القسطلي، وبفضل قضاء ناشط كانت بعض الأسابيع كافية لإذاقتهم سلطة القانون العادلة، ولكن قتلة فرحات حشاد ما زالوا أحرارا خمسة أشهر بعد ارتكاب الجريمة.
فمن يتحمل ذلك منا يكن مشاركا في الإجرام، كل في مرتبته. (4) تبييت الجريمة وسبب الاغتيال
وقد تساءل كل من اهتم بقضية فرحات حشاد عن مدى مسئولية الحكومة الفرنسية فيها، وظهر جليا أن الاغتيال مبيت أعدت له العدة من قبل؛ فقد قدم حشاد في أوائل سبتمبر إلى السلطات الفرنسية طلبا بمنحه جواز سفر إلى أمريكا للمشاركة في اللجنة التنفيذية للنقابات العمالية الحرة التي ستجتمع في نيويورك، فرفضت الإقامة العامة مطلبه رفضا باتا حتى لا يفلت من قبضتها ولكي يبقى بتونس في تصرفها كالمسجون.
ومما يبعث على الارتياب في نوايا السلطات الفرنسية ويوضح سلوكها هو أن الباخرة الصغيرة «لولا نسييه» التي نقلت جثمان الشهيد من العاصمة إلى جزيرة قرقنة حيث وقع دفنه كانت قدمت من ميناء بنزرت إلى ميناء تونس في الليلة التي سبقت يوم الاغتيال ، وكانت في انتظار تعليمات خاصة، وفي صبيحة الحادث كانت جميع الطرقات المؤدية إلى الجنوب تحت مراقبة شديدة.
أويكون من باب المصادفات أن سافر المقيم العام إلى باريس ليلة الاغتيال؟ أولم يكن سفره إبعادا للشبهة؟ أولم يكن على علم من تبييت الجريمة؟ وقد أجابت الصحف الفرنسية المطلعة على تلك الأسئلة، فقالت جريدة «فران تيرور» (7-8 / 12 / 1952) «أولم ترتكب الجريمة يوم الخميس؟ أولم يعلم بها «م. دي هوتكلوك» عندما جاء إلى باريس بغتة؟» ثم أضافت: «إن تلك الجريمة السياسية أتت إثر سلسلة من تنفيذ الإعدام تمت يوم الخميس بمدينة قفصة، بينما لم يقع العثور على أي فرد ممن ارتكبوا جرائم إرهابية ضد التونسيين، وأخيرا حدث اغتيال فرحات حشاد إثر عام كامل من الاضطهاد للحركة التونسية.»
أما جريدة «لوموند» فكانت أوضح وأجلى إذ قالت (7-8 / 12 / 1952): «يظهر أن اغتيال فرحات حشاد أدخل الذعر على خواص الباي وعلى القادة الدستوريين، ويظهر أيضا إن الإقامة العامة لم تستغرب الأمر، بل اغتنمت الفرصة لتتخذ بعض الإجراءات لاستتباب النظام التي كان الداعي لتأجيلها عدم عرقلة أعمال هيئة الأمم (أي إن خشية هيئة الأمم هي التي جعلتها تتأخر عن اتخاذها) ...» ثم إنها رغم احتياطاتها اللفظية صرحت بالحقيقة فقالت: «ولنلاحظ بهذا الصدد حسب بعض الإشاعات أن المقيم العام قد وقع إعلامه قبل سفره إلى باريس بأنه من المحتمل وقوع تلك الجريمة.»
هل أطلع دي هوتكلوك الوزراء الفرنسيين على خفايا الأمور الجارية بتونس؟ وهل أعلمهم بما ترتكبه السلطات الفرنسية؟ وهل وافقوه على إجراءاته الظاهرة والخفية؟ ومهما يكن من أمر، فقد نشرت الصحف الفرنسية بتاريخ 6 / 12 / 1952 بلاغا عن اجتماع الوزراء الفرنسيين بالمقيم العام جاء فيه: «انعقدت جلسة عاجلة بين الوزراء في قصر ماتينيون حضرها «م. هنري كوي» و«م. روبير شومان» و«م. ريني بليفن» و«م. دي هوتكلوك» الذي وصل صباح ذلك اليوم إلى باريس.
وقد بحث المجلس وقرر بالتدقيق الإجراءات اللازمة لاستتباب النظام والأمن.»
إن كل بحث في الاستعمار الفرنسي بتونس يثبت أن المسئول الحقيقي عن جميع ما يجري من عدوان ومؤامرات واضطهاد وفظائع هي الحكومة الفرنسية بما تسنه من سياسة وبما تريد فرضه من حلول وبما تعطيه من أوامر لممثليها؛ ولذا نرى كل أجنبي انحنى على القضية التونسية بالبحث والتفاهم إلا وأعلن ذلك، وقد قاله «م. فالتر روير» رئيس «س-ي-و» مؤتمر المنظمات والصناعات الأمريكي في تصريح له أدلى به إثر اغتيال حشاد، فقال: إن خبر اغتيال فرحات حشاد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وزعيم قوات الحرية التي تتجمع في الشرق الأدنى قد أدخل على «مؤتمر المنظمات الصناعية» الشجى والارتياع. «وكان حشاد رئيسا لجميع مواطنيه الذين يكافحون في سبيل استقلالهم والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وفي سبيل الاعتراف للإنسان بكرامته البشرية.