لماذا تنفي وكالة الأنباء ذلك الافتراض وتغري الناس بالافتراضات البعيدة؟ كاد المريب أن يقول خذوني، وتعزيزا للافتراضات المغرضة وزيادة في المغالطة ازدحمت الصحف الاستعمارية بالأباطيل تبثها والأراجيف تنشرها والروايات تزيفها والأكاذيب تروجها.
فكتبت جريدة «الفيجارو» (7 / 12 / 1952): و«كانت المعارضة شديدة حسب ما استقيناه من الأخبار الوثيقة بين خواص فرحات حشاد وأصدقاء بورقيبة الذين أصبحوا يرون أن الزعيم النقابي قد أحرز على قيمة سياسية أكبر من اللازم منذ إبعاد رئيس الدستور الجديد إلى جزيرة جالطة، «ومصدر تلك الأخبار الوثيقة» هي السلطات الفرنسية نفسها التي تعلم علم اليقين أن فرحات حشاد ليس زعيما نقابيا فقط، بل هو أيضا من أساطين الحزب الحر الدستوري، وأحد قادته الأفذاذ وأكبر ساهر عليه، بعد نفي بقية الزعماء وسجنهم، وأن أتباع بورقيبة هم بطبيعة الحال أتباع فرحات حشاد.»
وقد اختلقت تلك الصحف القذرة رواية باطلة لتوهم الرأي العام أن القصر الملكي هو الذي أراد التخلص من فرحات، فقالت جريدة «الفيجارو» (9 / 12 / 1952) تحت عنوان: «مناقشة عنيفة تحدث خلافا بين الباي وفرحات حشاد.»
من كاتبنا الخاص: إيف لوجون
تونس في 8 ديسمبر، من الشائعات المتناقلة بتونس أنه ألقي القبض على أحد ركاب السيارة التي نقلت فرحات حشاد في أواخر أمره.
ويؤخذ من تصريحات ذلك الشخص إن ركاب السيارة كانوا من أجراء شخصية عالية قريبة جدا من القصر الملكي.
وقد قورنت تلك الإشاعة بما حدث يوم الأربعاء إذ يقال إن مشادة عنيفة جرت في مساء ذلك اليوم بين الزعيم النقابي والباي، وقد يكون السيد فرحات حشاد قد لام الملك لوما شديدا على عدم إعطاء نيابة رسمية عنه لصالح بن يوسف الموجود الآن بنيويورك ليتمكن من المشاركة في المناقشة لدى الأمم المتحدة، وقد يكون أيضا أنبه على عدم الرضى بالمشاركة مشاركة رسمية في مناقشة تلك المنظمة الدولية.
ويقال إن الزعيم النقابي عندما رأى رفض الباي طالبه وألح عليه في الطلب، بأن يطرد وزارة «م. بكوش» ويعوضها بوزارة شنيق من جديد، وكان الزعيم يريد أن يتم ذلك من الغد (الخميس) في حفلة الطابع الأسبوعية، وإنا نعلم أن الباي لم يتخذ ذلك القرار.
وجمع السيد فرحات حشاد يوم الخميس الفارط بعد الظهر قادة من الدستور الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل في جلسة استغرقت المساء كله، وانتقد أثناءها موقف الباي انتقادا شديدا.
وكان القصر الملكي قد اتخذ احتياطات في ذلك الوقت نفسه، وكان الملك قد أخبر عن طريق حاشيته أنه مريض ملازم الفراش.
فقد سعت السلطات الفرنسية في توجيه الشكوك إلى الشيوعيين، ثم إلى الدستوريين، ولما رأت عبث محاولتها وفشلها وجهت الاتهام إلى القصر الملكي، ولكن الجريمة ألصق بصاحبها من جلده، وبقيت المسئولية كلها ملقاة على عاتق تلك السلطات.
وبلغت مسئوليتها درجة أصبحت معها العدالة الفرنسية عاطلة، وذلك ما لاحظه الفرنسيون أنفسهم، فقال «م. روبير» جوتيه في مقال كتبه لجريدة «لوموند»:
ينبغي للعدالة قبل كل شيء أن تكون عادلة، وليست بالعدالة العادلة تلك التي تعاقب بعض المجرمين وتتغاضى عن البعض، وليست بالعدالة العادلة تلك التي تخص بضرباتها القاسية الأشخاص من ذوي السمرة في الجلد والقعقعة في الصوت والهجنة في اللسان.
وإن المواطنين إذا ما فقدوا الثقة في العدالة، فإنهم يقتصون لأنفسهم.
وندخل هكذا في الدور والتسلسل الجهنمي، فالقنابل تجيب القنابل، والاغتيال يقابل الاغتيال، ويجر الانتقام الأخذ بالثأر، ويصبح الإرهاب نفسه على ما فيه من حمق وبشاعة، حسنة من الحسنات في نظر مرتكبيه.
وجد المقيم صعوبات مع السيد شنيق فلجأ إلى إبعاد بعض أعضاء الدستور الجديد، واغتيل فرحات حشاد فوقع إبعاد دستوريين من جديد، وتعددت أعمال الإرهاب التي كانت تصيب الأوروبيين تارة، وطورا التونسيين الموالين للإقامة، وطورا آخر الوطنيين، أما الاضطهاد، فاتجاهه واحد دوما واستمرارا.