Bernes
الذي كان جالسا حذوه إلى خلف، وأبقى مكانه للرجل الجريح الذي كان يحمل آثار دم، وليس فيه جرح ظاهر والذي جلس على الكرسي الأمامي وحده.
وحين استعد «م. سرا» لاستئناف السير في لوريه، وصلت سيارة ركاب وقفت حذوه، وكان بها عدد من الرجال لا يحملون قبعة ولا طربوشا فوق رءوسهم، ويرتدون لباسا أوروبيا، ولا يمكن ل «م. سرا» أن يعرف هل هم أوروبيون أم تونسيون، فصاح الجريح الذي لم يعرف أحد من رفاق «م. سرا» فيه فرحات حشاد: «قفوا! قفوا!» ونزل، وتبادل بعض الكلمات مع ركاب السيارة، وركب معهم وسارت السيارة.
إن الرواية التي سمعناها من لسان «م. سرا» نفسه تختلف في نقطة أصلية أساسية عما نشرته بعض الصحف بتونس التي روت أن فرحات حشاد قال: «هؤلاء أصدقائي، وإن نقلي يكون أسرع معهم»، وأكد «م. سرا مرات» ثلاثا أنه لم يسمع من حشاد تلك العبارات، ولكن كلمة واحدة وهي: «قفوا قفوا»، ولما رأى الشاهد إلحاحنا فإنه استهل كلامه من جديد بقوله: «يمكن لي أن أجزم جزما باتا ...»
إن تلك الأعمال كلها وتلك الأقاويل لا تدع شكا لشاك في أن السلطات الفرنسية تريد تزييف الحقيقة ليذهب دم حشاد هدرا، وقد أرادت أيضا أن تبخس حقه ميتا بعد أن أضاعت حقه حيا، فقصد وفد من الاتحاد العام التونسي للشغل الإقامة العامة الفرنسية صباح السبت 6 ديسمبر طالبا تسليم جثمان الشهيد، معلنا أنهم سيعدون النظام اللازم لتشييع جنازة الزعيم.
فأعلمتهم الإقامة بأن الجنازة ستقع بجزيرة قرقنة بمحضر العائلة وعشرين من قادة الاتحاد إذا ما أرادوا الحضور، فرفض الوفد النقابي.
ونقل الجثمان بالفعل على ظهر الباخرة الحربية الصغيرة «لولا نسييه»، وكانت زوجته وأولاده في صحبته.
ودفن فرحات حشاد في جزيرة قرقنة مسقط رأسه يوم الأحد 7 ديسمبر، وحضر مواراة الجثمان التراب زوجته وأبناؤه الأربعة وأخواه وبعض الأقارب؛ كل ذلك تحت حراسة المراقب المدني الفرنسي لمدينة صفاقس والسلطات المحلية.
وكان الجو رهيبا، كله خشوع.
ويوم 13 ديسمبر رجعت زوجة حشاد إلى بيتها الصغير «برادس» وأتت إلى ذلك المنزل الذي كله مآس ومآتم بأبنائها الصغار، وعمر أكبرهم ثمانية أعوام، وما زال أصغرهم رضيعا، وهي شابة في مقتبل العمر أصلها من جزيرة قرقنة كفرحات نفسه، وكانت قواها قد خارت لطول السفر وتعبه وشدة المصاب.
ودخلت بيتها مع أبنائها وأمها لا تعلم كيف تعيش ولا من أين يتعيشون، بعد أن تسلمت مفتاحها من البوليس الذي احتفظ به إثر تفتيش بيت الزعيم، وأغلقت على نفسها باب منزلها الصغير.
وتفرق من كان أمامه.
لم يوار جثمان الشهيد التراب بعد حتى تدفقت المصادر الفرنسية - وينبغي ألا ننسى أنها كلها فرنسية - تغمر الدنيا بالأراجيف المختلفة، والأكاذيب الملفقة، فحملتها عنها الإذاعات الفرنسية ونشرتها الصحف الاستعمارية بالمغرب العربي وفرنسا.
فقالت جريدة «الفيجارو» 6-7 / 12 / 1952:
وكان فرحات حشاد يخشى لا محالة اعتداء من هذا النوع، فكان يحرسه ليلا ونهارا شبان دستوريون مسلحون.
فاغتاظ أحد الفرنسيين الأحرار وفضح تلك الأكذوبة وذلك التدليس، قال
4
تحت هذا العنوان:
من الأكاذيب القذرة للصحافة المقذرة
لقد تجاسرت الصحف بعد اغتيال فرحات حشاد على القول بأن فرحات حشاد كان عادة مخفورا بحرس مسلح!
حرس شخصي مسلح! تونسيون مسلحون! والحالة أن أقل سكين لو وجد عند تونسي أو في بيته لكان كافيا لإرساله حالا للسجن أو لأحد المعسكرات!
وقد كان يستحيل على فرحات حشاد نفسه أن يحمل سلاحا واحدا رغم التهديدات التي تكتنفه من كل جانب؛ إذ كان يكون ذلك سببا في اعتقاله.
إن الجلادين يبدءون بنزع السلاح من ضحاياهم.
ثم جعلت السلطات الفرنسية تكثر من التأويلات وتعدد الافتراضات رامية إلى التضليل والتعمية، فنقلت جريدة «لوموند» (7 / 12 / 1952) عما أملتها تلك السلطات على وكالة الأنباء الفرنسية قالت نشرت «فرنس بوس» خبرا من تونس لتقديم ثلاث افتراضات ممكنة للاغتيال، فإما أن يكون مقترفو الجريمة من شق دستوري معاد لفرحات أو من الشيوعيين أو جماعات من الفرنسيين تكونوا للدفاع عن أنفسهم، ولكن محرر النص أبعد الرواية الأخيرة بمجرد ذكرها، وأضاف قائلا: «وإن عدد الذين ينفون هذا الافتراض رفضا باتا لعديد، إذ إن اغتيال فرحات حشاد يجر للفرنسيين الضر والخسران.»