فذهبا إلى مركز البوليس في «مقرين» حيث قال لهما الضباط الفرنسي إنه لا علم له بشيء (بينما كان هو الذي أمر بنقل سيارة فرحات حشاد)، وذهبا إلى «حمام الأنف» فقيل لهما إنهم يجهلون كل شيء عن الموضوع (بينما كان مركز بوليس حمام الأنف ممثلا وقت رفع الجثة في الساعة 9,50)، فذهبا إلى مركز البوليس برادس، وشاهدا على مكتب الضابط الفرنسي بعض أوراق فرحات حشاد وعدة طلقات فارغة، ولكن الضابط دس الأوراق بسرعة في جيبه وقال إنه لا علم له بشيء.
ولم يعلم بمقتل فرحات حشاد إلا عندما صدر بلاغ من الإقامة العامة أذاعته محطة الإذاعة في الساعة الواحدة بعد الظهر.
وتدخل القضاء الوطني التونسي في هذه القضية باعتبارها من اختصاصه؛ لأن القتيل تونسي، وشرع في التحقيق، ولكن القضية سحبت منه فورا وبدون تقديم أي مبرر لذلك، بينما تقضي الإجراءات العادية أنه ما لم يظهر في القضية أي طرف فرنسي، فإن القضية المتعلقة بتونسي يجب أن تظل بين يدي القضاء الوطني الذي لا يتخلى عن قضية إلا بقرار منه لفائدة المحاكم الفرنسية، ولكن فيما يتعلق بهذه القضية فقد وقع خرق كل هذه القواعد.
وأشركت المحكمة الفرنسية القاضي «بوشو» في التحقيق، وكان يتمتع بسمعة طيبة في كثير من الأوساط التونسية، ثم عادت المحكمة فسحبت منه الملف، مما حمل التونسيين على الاعتقاد بأن السبب في إقصاء هذا الرجل عن التحقيق هو حرصه على كشف المجرمين.
وأخذت الإقامة العامة تنشر الأخبار المتناقضة والروايات المختلفة والافتراضات الغريبة، بعد أن كممت الأفواه وشلت الصحف التونسية ووضعت الرقابة على كل ما يقال وينقل، ونقلت الصحف والمذياعات كل ذلك، وإن المصدر الوحيد لجميع تلك الترهات هو الإقامة نفسها.
فقد بعث مكاتب جريدة «الفيجارو» الباريسية بأنموذج من تلك الأقوال في 8 / 12 / 1952:
حوالي الساعة الثامنة من صباح الجمعة، غادرت سيارة فرحات حشاد رادس حيث محل سكناه قاصدا تونس، وفي ملتقى الطرق على بعد كيلومتر واحد من رادس، جاوزته سيارة يقال إنها سوداء من نوع «سيتروين» وأطلقت نيران رشاشة على سيارة الزعيم، ووصل الشاهد وهو يقود لوري في اللحظة التي وفق فيها فرحات إلى التخلص من سيارته المنقلبة على حافة الطريق، فعرض السائق عليه أن يأخذه معه فقبل حشاد وهو يظهر كأنه جريح، وفي تلك اللحظة أتت سيارة ثانية فشكر الزعيم النقابي سائق اللوري وقال له: «هؤلاء أصدقائي فإنهم سينقلونني في وقت أسرع مما يمكنك.» وأخذ ركابها الزعيم معهم، وعثر فيما بعد على جثته في جهة «نعسان» على بعد 8 كيلومترات من تونس في طريق مدينة «زغوان»، وأظهر فحص الجثة أن رصاصة مسدس قد أطلقت في رأس القتيل.
فقد دست السلطات الفرنسية - وهي المصدر الوحيد للخبر - الكذب الصراح في تلك الرواية، فادعت أن فرحات قال: «هؤلاء أصدقائي ...» واتخذت السلطات ذلك الكذب أساسا لما نشرته فيما بعد من افتراضات، وخاصة أن قتلة فرحات يمكن أن يكونوا دستوريين! وقد فضحت الصحف الفرنسية النزيهة نفسها تلك الأكاذيب، فأرسلت جريدة «لوموند» مكاتبا لبحث القضية، فاستجوب المكاتب «م. سرا» (الشاهد الأصلي في جريمة اغتيال فرحات حشاد) وهو سائق اللوري الذي انتقل إليه فرحات قبل أن يركب في سيارة القتلة بلحظات، وقد حرفت المصادر الرسمية والبوليسية شهادته، قالت «لوموند» في 9 / 12 / 52:
كان «م. شارل سرا» ينقل بعض العمال في جهة رادس على بعد كيلومترات من تونس، وكان يسوق لوري من نوع ستروين قديم يحمل بعض الأدوات أيضا، وكان قريبا من بلدة رادس عندما شاهد سيارة من نوع «سيمكا» آتية من الاتجاه المقابل تميل يمينا وشمالا، ثم تنقلب في الحفير حذو الطريق، ونزل منها رجل وأشار إليه، ثم أوقف «م. سرا» سيارته ظانا أنه أمام حادث عادي، فاقترب الرجل وقال إنه جريح وطلب نقله إلى المستشفى الصادقي بتونس، فلم يفكر «م. سرا» في الرفض، ولكنه لاحظ أن في الإمكان إيجاد طبيب في مكان قريب، فألح الرجل في النقل إلى المستشفى الصادقي، فلم ير «م. سرا» مانعا من ذلك، وانتقل «م. برنيس»