تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انضموا إلى اليد الحمراء.

وتعالت أصوات من الصحافة الاستعمارية تدعو إلى نفس المجازر والجرائم، وتحض الفرنسيين على أن يلغوا في دماء التونسيين وتحرضهم على قتل فرحات حشاد خاصة، فأخذت التهديدات التي كانت تنشرها جريدة «تونيزي فرانس» تتضح صبغتها، وتنكشف نداءاتها للعمل المباشر، وأشارت جريدة «لابريس» بتاريخ 29 / 10 / 1952 إلى عصابة دفاعية مهمتها قتل أعداء السياسة الاستعمارية الفرنسية، وأخيرا خصصت الجريدة الاستعمارية «باريس» الصادرة في «الدار البيضاء» فصلا طويلا في عدد 29 نوفمبر 1952 عن فرحات حشاد ختمته بهذه العبارة:

إذا كان هناك رجل يهددك بالقتل، فاضربه على رأسه - كما يقول المثل السوري - واليوم يجب أن تضرب ذلك الرأس، وما لم تقم بهذا العمل الذي هو عنوان الرجولة، هذا العمل الذي فيه الخلاص، فإنك لن تكون قد قمت بواجبك.

في الساعة الثامنة وعشر دقائق من يوم الجمعة 5 ديسمبر 1952 غادر فرحات حشاد مسكنه ببلدة رادس متجها في سيارته نحو مكتبه بتونس، وكان وحده لا يرافقه أحد، وكانت زوجته مشفقة عليه من الخطر لما أطلعها على رسائل التهديد التي وجهتها له «اليد الحمراء»، وقد ألحت عليه المرة تلو الأخرى في أن يلزم بيته ويستأنس بأبنائه، وألا يخرج وحيدا فريدا، بل ليأخذ معه بعض الزملاء والأقران، فكان يجيبها بهدوء وحزم: «إن الأعمال كثيرة والمسئولية ثقيلة، أما زملائي فلا أريد أن أعرض بهم للخطر الذي يهددني - فإذا مت فالأحسن أن أموت وحدي، ولا فائدة في أن أجر جماعة إلى الموت.»

ولما وصل إلى منحدر في الطريق بعد قطع كيلومترين فقط، على مقربة من مقبرة، دوت طلقات نارية في أذنيه، وكانت سيارة تجري خلفه، قد أطلقت عليه الرصاص من مدفع رشاش، ثم لحقته وتمادت في إطلاق النار من ناحية الجانب الأيسر، فمالت سيارة حشاد ودخلت مزرعة بالقرب من سور المقبرة، وتوقفت إذ ذاك السيارة المهاجمة قليلا، وسمع إطلاق عيارات نارية من مسدس، ثم عاودت السيارة السير، وعرجت على اليمين.

وشاهد الحادث أحد الفلاحين، وكان على بعد خمسين مترا منه، وأحد الرعاة وراكب دراجة وأخيرا ركاب لوري وهم ثلاثة أوروبيون.

وتخلص فرحات حشاد من سيارته بتعب شديد، وخرج منها منحنيا لما أصابه من جراح، وطلب من سائق اللوري أن ينقله إلى المستشفى بتونس، وفي تلك الأثناء توقفت سيارة إلى جانبهم، ونزل منها أحد الركاب، وبدعوى أن تلك السيارة السريعة متجهة إلى تونس حمل أصاحبها فرحات معهم وانطلقوا به في الحال، وكان بها ثلاثة أشخاص، وكانت الساعة 8,25.

وعثر على جثة فرحات حشاد وقد مزقها الرصاص وشدخ منها الرأس وشوه الوجه ومثل بها، وكانت ملقاه إلى جانب طريق «نعسان» على بعد خمسة كيلومترات من مكان الحادث.

ووصل رجال البوليس الفرنسي بعد دقائق إلى المكان الذي به الجثة وأسرعوا في نقلها منه، فكيف تمكن البوليس من معرفة مصرع حشاد ولما تمض عليه دقائق؟

وجاء البوليس إلى مكان سيارة فرحات حشاد في الساعة 9,15، وأزال جميع آثار العجلات وغيرها وجمع بعض الطلقات الفارغة، ونقل السيارة إلى الفناء التابع للمحكمة العسكرية الفرنسية، بينما نقلت الجثة إلى المستشفى العسكري الفرنسي.

ولم يتصل القضاء بالحادثة إلا في الساعة 12,45.

وعندما بلغ أحد التونسيين مقر «الاتحاد العام التونسي للشغل» في الساعة 9,30 بأن سيارة فرحات حشاد كانت على الطريق قرب رادس وبها آثار الرصاص، أوفد الاتحاد اثنين من أعضائه في الحال إلى مكان الحادث، فاعترضتهم في الطريق سيارة فرحات يقودها أحد المدنيين على بعد خمسة كيلومترات من مكان الجريمة وكان متجها بها نحو تونس.

وتابعا السير، وعند وصولهما قرب المقبرة لم يجدا أي أثر سوى بعض الزجاج المكسور قد جمع كوما، والتقطا بعض الرصاصات الفارغة التي نسي رجال البوليس جمعها، واستمعا إلى أقوال المزارع الذي قال لهما إن فرحات حشاد نزل من سيارته وهو جريح وإنه ركب سيارة أخرى.

تونس الثائرة · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٩٤