تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تونس في 29 نوفمبر

عزيز نوري

إذا وصلتك هذه الرسالة وأنت لا تزال في باريس، فإن رأيي أن تبقى هناك أسبوعا آخر؛ إذ يبدو أن سياسة الاضطهاد تشتد وتستفحل، والإشاعات المتكررة تنذر بأحداث خطيرة في المستقبل القريب، وسوف توجه الضربات خاصة للاتحاد العام التونسي للشغل، وقد شرعوا يتحدثون عن قرب اعتقالي في المؤتمرات الصحفية التي تعقدها الإقامة العامة. هذا وقد نظمت حملة لإعداد الرأي العام لأعمال اضطهادية جديدة، كتنفيذ الإعدام في المحكوم عليهم بالموت، وإنشاء محاكم خاصة، والقيام باعتقالات بالجملة وخاصة من بين المتصلين بالقصر الملكي، ولا تزال الاعتداءات مستمرة وخاصة ضد أعضاء مجلس الأربعين.

أما رجال «الجستابو» الاستعماري، فإنهم يعملون في الظلام، وقد تمت عدة اعتقالات هامة جدا في الأيام الأخيرة. ويقال إن المعتقلين يوجدون في «رمادة»، بالإضافة إلى المعتقلين السابقين في «جربة» الذين وقع نقلهم إلى «برج البوف»، ولا أحد يعلم عدد المعتقلين في رمادة ولا أسماءهم.

هذا وقد علم أن عددا كبيرا من الوطنيين وقع نقلهم بصورة سرية إلى «قرنبالية»؛ حيث ظلوا طيلة أسبوعين يقاسون أنواعا من التعذيب تقشعر منها الأبدان، ولم يستطع المحامون معرفة المكان الذي نقل إليه موكلوهم.

أما الشعب، فقد جرد من كل وسائل الدفاع، وسلم مكتوف الأيدي والأرجل إلى جماعة إجرامية إرهابية. وتدعي السلطات البحث عن الإرهابيين، فتنشر الرعب والإرهاب في جهات كاملة مثل جهة «قابس» حيث تطبق مبدأ المسئولية الجماعية، وتقوم بأعمال وحشية انتقاما وأخذا بالثأر.

وينقل المعتقلون إلى جهات مجهولة، وقد توجه إليهم تهم معينة، فيحرمون من جميع وسائل الدفاع عن أنفسهم، وقد يتقرر إبعادهم وهم يجهلون كل شيء عن مصيرهم، وتبقى عائلاتهم لا تعرف شيئا عن مكان إقامتهم، ويسجن المعتقلون ويذوقون من العذاب ألوانا ومن الآلام أنواعا، ثم يتقرر عقابهم بما يرضي أصحاب حزب التجمع الاستعماري، وينفذ فيهم فورا.

وفي الوقت نفسه تركت الجريمة كاملة للإرهابيين «الرسميين» لارتكاب ما يرضي نفوسهم من جرائم بدون أي رد فعل من البوليس.

ويجري الحديث الآن حول إبادة كل ما زال حيا في الشعب، والرجعيون الذين أعمتهم العداوة سوف ينزلون ضربتهم «بالاتحاد العام التونسي للشغل» قبل كل شيء آخر.

وبما أن بحث القضية في هيئة الأمم أصبح على الأبواب، فيجب أن يقع عرض هذه الحالة، فقد أصبح من المستعجل أن يجد الشعب ومليكه الحماية الحازمة ضد أعمال الاضطهاد الآخذة في الازدياد.

وإلى اللقاء القريب

وأخذ نشاط المجرمين من عصابة «اليد الحمراء» ينتشر ويزداد في تلك الأثناء، وأعمالهم تتسع وتتعدد، وقد رفعوا عن وجوههم القناع وظهروا في النهار السافر بعد أن كان يخفيهم الليل البهيم، بل نظموا إلى إجرامهم الدعوة وطرحوا الحياء، وجاهروا بخفايا النوايا وسوء الخيانة وتبييت الغدر، والبوليس الفرنسي ينظر ويعلم، والسلطات الفرنسية تشاهد وتحمي، وملأت «اليد الحمراء» تونس بنداءاتها، وها نحن ننشر إحداها كمثال وأنموذج وهذا نصه:

انضموا إلى اليد الحمراء.

ضد استعباد تونس من قبل التجار الأمريكيين الاستعماريين، أولئك الذين أبادوا الجنس الأحمر وقتلوا سكان بورتوريكو وحافظوا على استعباد السود وشنقوا سكان الفيليبين.

انضموا إلى اليد الحمراء.

ضد فرحات حشاد الأمريكي.

انضموا إلى اليد الحمراء.

ضد تواطؤ البلاط الملكي الفاسد.

انضموا إلى اليد الحمراء.

التي ستجعل من هذه البلاد أرضا فرنسية تقوم على الحرية التقليدية الموروثة عن مبادئ سنة 1789.

الحرية والمساواة والإخاء.

أيها الرجال الأحرار، أيها الإخوان التونسيون من المسلمين والمسيحيين واليهود، في سبيل استقلالنا المهدد والمحافظة على مدنيتنا القديمة التي نشأت على ضفاف البحر المتوسط، تلك المدنية العربية واللاتينية.

تونس الثائرة · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٩٣