تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني أعترف أنه بقي في نفسي من شهر سبتمبر ذلك الذي قضيته مع حشاد في أمريكا أثر لا ينسى؛ فذلك الرجل العظيم جمع بين حمية الرائد وحماس المكافح ورصانة السياسي وواقعيته وشعور القائد بمسئوليته ومرونة الدبلوماسي.

وهنا اطمأنت نفسي أن قضية العمال التونسيين أمسكت بها أيد صالحة، فقد وجدوا في ابن الشعب ذاك الرجل المختار الذي يملك الإرادة والوسائل الكفيلة بقيادتهم إلى النصر، ثم افترقنا ليتابع كل واحد منا سيره في طريقه، وعدت فرأيته في شهر يناير 1952 بطبرقة حيث كنت «مبعدا» وكان بصحبته الهادي نويرة، وقد جاء يقود بنفسه سيارته البسيطة؛ تلك السيارة نفسها التي أصابته فيها عن كثب أول طلقات الرشاشة في صباح ذلك اليوم المحزن الخامس من ديسمبر في نفس السنة.

وعندما ورد علي أكد لي ثقته في النصر، وقال: «سوف ننتصر في الجولة الأخيرة، فلا تتضايق؛ إن هذه المحنة الشديدة التي يجتازها الشعب سوف تكون نافعة إذ أقنعت المشرفين على الاستعمار في فرنسا بأنه لا يمكن القيام بأي شيء في تونس عن طريق القوة، وسوف لا يتخلى عنا الديمقراطيون في فرنسا والعالم الحر، وسيرجحون إن عاجلا أو آجلا كفة الميزان في جانب العدالة والحرية. سنقاوم ونصر على المقاومة مدة عشر سنين إذا لزم ذلك؛ لكي نصمد في ربع الساعة الأخيرة، وستصبح طريق التحرير القومي معبدة نهائيا، ففكر خصوصا في صحتك، فستحتاج إليها البلاد احتياجا كبيرا.»

ولكن مع الأسف الشديد سنفتقده هو يوم الانتصار، وقد تأثرت جدا وصاحبته إلى الجسر الذي يقطع الوادي الكبير عند الخروج من طبرقة، وكأني أشاهده الآن وهو يقود سيارته ويلتفت ليشير إلي بيده الإشارة التي كانت وداعه الأخير؛ إذ لم أره بعد ذلك.

ولكني تلقيت فيما بعد ذلك بمدة طويلة تعبيرا عن عواطفه، فإن كل من عرف السجن ومعسكرات الاعتقال يعلم أنه لا يوجد حائل لا يمكن أن ينفذ منه شيء يمكن المعتقل من الاتصال بالخارج.

ففي صباح أحد أيام شهر سبتمبر 1952 وفي جزيرة جالطة هذه التي رمتني فيها نزوة مسيو دي هوتكلوك، أتاني القدر بحزمة صغيرة مربوطة بعناية، ففتحتها ولشد ما كان عجبي عندما وجدت فيها مجموعة من الوثائق الحديثة نسبيا تقرير لجنة الأربعين ورسالة جلالة الباي ورد رئيس الجمهورية وتقرير ميتران وقرار من الجامعة العالمية للنقابات الحرة ... وفي آخر الوثائق ورقة صغيرة كتبها «فرحات» بيده بالفرنسية يقول فيها: «لقد جعلنا شعارنا اليقظة دائما وأبدا والصلابة.» وكتب على الهامش بالعربية: «إلى الأمام دائما فالمستقبل لنا» وأمضاها «ف.ح».

وليس هناك شك في أن ذلك الشعار بقي شعار الشعب التونسي، ولا سيما شعار رفاق فرحات حشاد الذين لهم اليوم شرف مواصلة عمله - وأي شرف عظيم! - وسيوصلونه إلى نهايته المرجوة.

جزيرة جالطة، يوليو 1953

الحبيب بورقيبة (3) الجريمة

كان فرحات حشاد يعيش في جو رهيب، يرى الأخطار المحدقة به رأي العين، ويشعر أن الدائرة تضيق، والخناق يشتد، وقد بسم بسمة الضحايا النازعة إلى مصيرها الدامي، بقلب عارف واع، وفكر متجمع سام، ونفس مطمئنة لا ترتجف إلا لبؤس الأشقياء ذوي الحق الناصع المغصوب، ولا تلين إلا للأحباء والبنين والأهل. لم يقطع الروابط البشرية، بل غذاها وواصلها وأدامها، وتابع خطاه في طريق اختاره وعرا في صعوده، محفوفا بأعداء نصبوا فيه شركهم للصيد، واختاروا زعيم المستضعفين في الأرض فريسة لقنصهم، وجعلوه هدفا لمراميهم ، وظنوا - وخسئ ظنهم وخاب - أن دم الضحية سيذهب هدرا، وأن موت فرحات سيبقي للمستضعفين ضعفهم وينزل بهم عن آمالهم في عدل يسود وحق يعود، وظلم يزول وطغيان يتهدم ويحول.

وكان حشاد - على علمه بالموت الذي حوله يطوف - يسير سيرته الأولى ويشتغل بشغله العادي هادئ البال، منتظم الأعمال، وقد كتب إلى زميله الأخ النوري بودالي رسالة ينبهه فيها إلى كيد المستعمرين واستعدادهم لارتكاب جريمتهم الشنيعة، وهذه رسالة فرحات الأخيرة بنصها:

تونس الثائرة · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٩٢