تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصبح فرحات حشاد عنوان الوحدة بين جميع طبقات الشعب، ومثالا حيا لإرادة تونس على تحقيق أهدافها وعزمها على متابعة الجهاد.

ولقد عبر زعيم تونس الحبيب بورقيبة عما يختلج في نفوس التونسيين جميعا، عندما تحدث عن فرحات حشاد فقال:

بورقيبة يتحدث عن فرحات حشاد

لقد بكى فرحات حشاد جميع الرجال والنساء في تونس، وقد استولى الفقيد على جميع القلوب بشجاعته وبنزاهته وبإخلاصه، ليس في تونس فقط بل في جميع الدوائر النقابية في العالم الحر.

وإن موته على ذلك النحو الفظيع بدلا من أن يدخل الذعر على صفوف رفاقه، لم يزد الأعصاب إلا تشنجا، والقلوب إلا تصلبا، والتونسيين إلا إقداما على استعمال الوسائل العنيفة. ولم تتخذ المقاومة الشعبية شكلا عنيفا إلا منذ اغتياله، فأصبح الكفاح حربا لا هوادة فيها، حربا لا يملك كل إنسان عاقل إلا أن يأسف لها؛ لأنه ليس من شأنها إلا تأخير ساعة الوفاق والوئام التي لا مفر من أن تحل إن عاجلا أو آجلا.

وقد كان من نتيجة اغتياله أن انتفعت القضية التونسية أكثر من انتفاعها بعشر سنين من الدعاية أو المناقشات أو الخطب، سواء في الميدان الفرنسي أو الميدان العالمي. وإن عدم معاقبة قتلته قد جعل التونسيين وجميع الديمقراطيين في العالم يلمسون بأيديهم ضعف النظام الفرنسي وعجزه، ذلك النظام الذي يسير في اتجاه واحد، والذي يجعل شدته وقفا على الوطنيين بينما يحمي المجرمين بدون حياء. وخلاصة القول هي أنه ما دامت الدولة التونسية لم تحصل على أول مخصصات السيادة وهي مسئولية الأمن العام، فإن حياة التونسيين وأملاكهم باقية مهددة بالخطر في بلادهم ذاتها.

إن اغتيال فرحات حشاد مع عدم معاقبة قتلته، سوف يبقى في جنب النظام الحالي كالدمل الذي يزداد مع الأيام تعفنا، ويسرع بساعة خلاص التونسيين.

وهكذا يكون فرحات حشاد قد خدم وطنه حيا وميتا.

وفي الختام أريد أن أذكر بعض الذكريات الشخصية.

إني لم أعرف فرحات حشاد كثيرا مهما يبدو ذلك مناقضا للمعقول ... لم ألتق به لأول مرة إلا سنة 1949 عندما رجعت من مصر، وقد تلاقينا من حين لآخر في الاجتماعات العامة أو الجولات الدعائية، وعندما أدعى أحيانا إلى نادي الاتحاد العام التونسي للشغل في بعض المناسبات. لقد كان لكل واحد منا مسئولياته الثقيلة، وكان كل منا يعمل في ميدانه الخاص، ولكن على أساس ثابت دائم؛ وهو أن المنظمتين: الاتحاد العام التونسي للشغل وحزب الدستور الجديد متضامنتان تضامنا وثيقا، ويجب أن تسيرا متساندتين.

ولم أختلط به عن كثب إلا خلال إقامتي بأمريكا في سبتمبر 1951، ففي «سان فرانسيسكو» خلال المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الأمريكية (ا-ف-ل) وفي «واشنطون»، عشنا وعملنا معا ودرسنا وحللنا مشاكل خطرة تتعلق بالخطط السياسية والدبلوماسية. ولكن خلال هذه المدة الوجيزة استطعت أن أعرفه جيدا، فعرفت سر صيته، واستولى علي تماما بشخصيته اللطيفة، وعينيه الزرقاوين الكبيرتين، وضحكته الصريحة، وذكائه المتقد، وخلقه الجذاب.

لقد كان مقتنعا أشد الاقتناع بأنه لا يمكن الفصل بين قضية الطبقة العاملة التونسية والقضية الوطنية، ولذلك كان كلما عاب عليه بعض محدثيه من الفرنسيين اشتغاله بالسياسة يجيبهم «ولكن السياسة في كل ميدان، فإذا سمحنا لأنفسنا بتجاهلها، فإنها لا تتجاهلنا، وإن العامل التونسي في كفاحه من أجل التحرر من الاستغلال، وفي سبيل التقدم الاجتماعي يصطدم بعقبات سياسية يجب عليه أن يجتازها، ولا يستطيع أن يجتازها إلا إذا اهتم بالميدان السياسي.»

وكان مقتنعا بأن الطبقة العاملة في البلاد المستعمرة؛ أي البلاد الخاضعة «لسيطرة سياسية ترمي إلى الاستغلال الاقتصادي» تعاني نوعين من الاستغلال متصلين ببعضهما: الاستغلال الرأسمالي الذي يقاسي منه جميع العمال في البلاد الحرة والمرتبطة بطرق الملكية ووسائل الإنتاج، وفوق هذا الاستغلال استغلال ذو أسلوب استعماري يجثم تحته جميع السكان الأصليين في البلاد المستعمرة ومن بينهم الطبقة العاملة. وكان مقتنعا لذلك أن هذا النوع من الاستغلال عاجل وملموس وبين أكثر من النوع الأول، وهو يعاضد ويساعد الاستغلال الرأسمالي ويجعله أشد خطورة. كما كان مقتنعا أنه في هذه الحالة يجب على كل مشروع تحريري إذا قصد به الجد والنجاح، أن يحارب النوعين من الاستغلال في وقت واحد؛ لكي يقضي على الامتيازات التي يتميز بها كل من النوعين.

تونس الثائرة · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٩١