تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنذ ذلك اليوم اندمجت حياة فرحات حشاد في حياة المنظمة النقابية التونسية، وأراد فرحات أن يسمع صوت العمال التونسيين في الأوساط العالمية. ولما تقدم الاتحاد بطلب الانضمام إلى المنظمة العالمية للنقابات (ف. س. م) وقف الفرنسيون معارضين معارضة باتة؛ لأن الفكرة الاستعمارية غالبة حتى عند النقابيين منهم، ولم يدخل الاتحاد في تلك المنظمة بصفة رسمية إلا عام 1949؛ أي ليلة انقسامها وخروج غير الشيوعيين منها، ولم يعط فيها حقه الكامل، وبقي مبخوس الحظ مستهدفا لدي الفرنسيين، ورأى أن وجوده ضمنها لم يأت بالنتيجة المطلوبة، فقرر الاتحاد في اجتماع عقده في 23 / 7 / 1950 الانفصال عن ال (ف. س. م) ووافق المؤتمر الرابع القومي للاتحاد (مارس 1951) على ذلك القرار.

وشرع الاتحاد في التفاوض مع النقابات الحرة العالمية (س. ي. س. ل) في شهر سبتمبر 1950، ولبى فرحات الدعوة التي وجهتها له تلك المنظمة، فسافر إلى بروكسل في 15 / 2 / 1951 لحضور اجتماع اللجنة التنفيذية للنقابات الحرة، وكانت نتيجة تلك المفاوضات مرضية؛ لأن منظمة النقابات الحرة تحترم الفكرة الوطنية الحقيقية كاحترامها للكفاح في سبيل التقدم الاجتماعي، وهي تهتم بمصير الشعوب المغلوبة على أمرها وتعترف بأن الاتحاد هو المنظمة النقابية القومية التونسية الوحيدة وتؤيدها وتتضامن معها، وهي مستعدة أيضا لإعانتها على تكوين نقابات وطنية في الجزائر ومراكش، وتوافق على توحيد العمل النقابي في المغرب العربي كله، ووعدت بإعطاء اللغة العربية حظها في نشراتها ومجلاتها.

فقرر إذ ذاك المؤتمر الرابع للاتحاد الانضمام للنقابات الحرة العالمية على تلك الأسس.

وقد فهم فرحات أن تحرير طبقة العمال مرتبط ارتباطا لا ينفصم بتحرير الشعب التونسي بأسره، فكان يقول: «ولذا سيجد الرجال الذين يقودون الكفاح في الميدان القومي طبقة العمال في جانبهم ما داموا يسعون لتحقيق أهدافنا السامية، وسيجد النظام الاستعماري الظالم طبقة العمال واقفة في وجهه على مر الأزمان، ما دام يتحكم في مصيرنا أو في جزء منه.»

وقد بين تلك الفكرة التي كانت أساسا لعمله في حياته وسببا لموته، في تقرير عن المشكلة القومية والتمثيل الشعبي قدمه للمؤتمر الرابع. «إن النظام الاستعماري يتنافى منافاة باتة أصلية مع المصالح القومية، سواء في اتجاهاته الاقتصادية والاجتماعية أو في طرق عمله القانونية والإدارية والحربية والاقتصادية والسياسية، فمن العبث محاولة تحسين الحالة الاجتماعية أو قلب نظام المجتمع قبل التخلص من النظام السياسي والاقتصادي الحالي، وبعبارة أخرى فلسنا ببالغين هدفا من أهدافنا إن لم نعوض النظام السياسي الاستعماري الموجود بنظام سياسي واقتصادي قومي بحت.»

وقد شرح فرحات حشاد آراءه في خطبه وتقاريره ومقالاته، نقتبس هنا شيئا منها كنماذج من كتابته وتفكيره:

خطبة فرحات حشاد في المؤتمر العمالي الوطني الرابع

إن الرسالة التي نؤديها لا تهدف إلا إلى تحقيق مصلحة طبقة العمال وسعادة شعبنا ورفاهيته وتحرير بلادنا، ولن نحيد عن طريقنا هذا أبدا.

من أين يستمد الاتحاد العام التونسي للعمال قوته؟

لقد أصبح الاتحاد العام التونسي للعمال من حيث نظامه، وتعدد أجهزته الإقليمية، وقوة النقابات الأساسية، وكفاحه المستمر، وجهوده الصادقة من أجل صالح العمال، المنظمة المثالية التي تتمتع في نفس الوقت بثقة طبقة العمال وبتأييد الشعب التونسي بأسره.

وقد زادت هذه الثقة بازدياد الكفاح الاجتماعي الذي أثبت فيه الاتحاد العام أنه أحسن وسيلة لتحرير العمال.

إن الرأسمالية الاستعمارية التي استقرت في بلادنا قد ضاعفت هجماتها على حركتنا ورجالها؛ لأن تلك الرأسمالية أدركت أن كفاح الاتحاد العام يهدد امتيازاتها تهديدا مباشرا، وقد ازدادت قوة حركتنا إزاء هذه التهجمات بحيث إن العمال يبدون نحو مؤسستهم العظيمة تعلقا لا حد له بالإضافة إلى ما يظهرونه نحوها من ثقة عظيمة خصوصا في الأوقات الحرجة.

تونس الثائرة · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٨٩