تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان مربوع القامة، أبيض مشربا بحمرة، أزرق العينين، مستوي الأنف، صغيره، أصفر الشعر، من عرفه ينسى صورته بسهولة. ولكن لا يمكن أن ينسى نظرة عينيه التي تتلون بعواطفه، فتبرق عند الغضب وتضيق عند الحزم والعزم، وتصبح ضاربة للشهلة عند الألم والشفقة. وهو دوما هادئ الحركات، بل ميزته الكبرى رصانته وركونه واقتصاده في الإشارات، وحبسه للسانه. يحسن الاستماع، ويطيل الصمت، حتى إذا ما تكلم نفذ رأسا إلى عمود الكلام وصلب الموضوع، فعالجه معالجة عملية وضاءة واضحة مع عمق ودراية.

لم تسمح له ظروفه العائلية بإتمام تعليمه؛ لأنه احتاج إلى لقمة الخبز يعمل لاقتنائها، فاقتصر على التعليم الابتدائي، ولم يمنعه ذلك من أن يبز الموظفين الفرنسيين العالين عند التفاوض معهم في شئون العمال، فكان يتحدث إليهم بلغة أسلس وأفصح من كلامهم؛ لأنه انكب رغم كثرة أشغاله على دراسة اللغة الفرنسية حتى أجادها كما أجاد لغته العربية، إلى أن أصبح كاتبا فيها وخطيبا مفوها بها.

كان مولده بجزيرة قرقنة في قرية العباسية يوم 2 فبراير سنة 1914، وكان أبوه صيادا فضحى في سبيله وأرسله إلى مدرسة الكلابين التي تبعد عن قريته ميلين تقريبا، فأحبه مدرسه الفرنسي مسيو أرمان سيبيل، وشغف به لذكائه ولطفه، وقد كتب إلى جريدة «فران تيرور» مقالا إثر اغتياله قال فيه: «عاش فرحات في بيتي وعائلتي سبع سنوات.

وكان وهو صغير السن يزاول تعليمه بالمدرسة العربية - الفرنسية ببلدة «الكلابين» على بعد ثلاثة كيلومترات من مسقط رأسه ببلدة العباسية، وسرعان ما أبرزته خصاله، فهو ليس كبقية التلاميذ، فأظهر رغبة في أن يعيش وسط عائلتنا لتلهفه للعلم، فتبنيناه. وهو مكافح صادق ثابت، ولكنه خصم نزيه. وإن عاطفته الإنسانية الطيبة تجعل من المستحيل أن يكون متعصبا أو إرهابيا، وكان يتفهم شقاء إخوانه لأنه ولد في عائلة فقيرة معدمة، وقد اختار أن يكافح في سبيلهم.

وخدم مثلا أعلى، ومات لأجله.

فيحق لكثير من التونسيين ومن أعظمهم شأنا أن ينحنوا أمام تضحيته.»

وانتقل فرحات حشاد إلى مدينة صفاقس ابتغاء العيش، فعمل في أول أمره كأجير بسيط، وبعد سنوات استأجرته الشركة التونسية للنقل بالسيارات في الساحل

Sttas

كقابض على سيارات نقلها في جهة صفاقس، ثم استعملته كاتبا محاسبا في مكتبها بمدينة سوسة. وكان في عمله ذلك المتواضع يسهر على مصلحة غيره من إخوانه، فتدرج هكذا بصفة طبيعية إلى الكفاح النقابي وانضم إليه، وسرعان ما احتل بين القائمين عليه إذ ذاك مكانة تليق بأمثاله. وكان عمله متصلا اتصالا وثيقا بالساهرين الأولين على فرع تونس لمنظمة الجامعة العامة للعمل (س ج ت) الفرنسية، وكانت غايته تحقيق المساواة بين جميع العمال.

ثم شارك في مناظرة اختيار بعض الموظفين ونجح فيها، فأصبح كاتبا في الحسابات بفرع إدارة الأشغال العامة بصفاقس، واستمر ناشطا في الكفاح النقابي. وكان في آن واحد وطنيا عاملا، ففطن إلى أن النقابات الفرنسية تستخدم قوة العمال التونسيين لأهداف بعيدة عن مصلحة التونسيين جميعا، فرأى من الضروري الانسحاب من المنظمة الفرنسية وتشكيل نقابات مستقلة عنها، وكان يعتمد في تلك الفترة على نقابي مقتدر ووطني قوي وهو صديقه الحبيب عاشور، وكانا يسيران في حلبة العمل النقابي كفرسي رهان، فتشكلت على أيديهما النقابات المستقلة بمدينة صفاقس، واشتد ساعدها وقويت حتى أصبحت مسيطرة على ميدان الشغل في الجهة كلها، وإذ ذاك اتفقا مع الحزب الحر الدستوري على تكوين نقابات مستقلة في القطر كله، على أن يبقى الحبيب عاشور ساهرا على القوة الأصلية المتينة بمدينة صفاقس، وينتقل فرحات حشاد إلى تونس. وبعد نشاط في جميع جهات تونس، وتكوين عشرات وعشرات من النقابات، دعا فرحات حشاد نواب العمال إلى عقد مؤتمر لجمع كلمتهم وتنظيم صفوفهم، فاجتمع في 5 / 8 / 1945 وخرج الاتحاد العام التونسي للشغل للوجود.

تونس الثائرة · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٨٨