كان يوم 5 ديسمبر 1952 من أيام كفاح تونس الطويل، وطلع صبحه وكأنه مغرب، قد كست الغيوم سماءه واشتد برد شتائه وغزرت أمطاره، وفي ذلك الصباح نفسه ارتكبت عصابة «اليد الحمراء» جريمتها وتناقلت شركات الأخبار نبأها، ونشرته الصحف بلهجة عادية لا ارتجاف فيها ولا تأثير ولا روح قالت (تونس، 5 ديسمبر): «كان ركاب سيارة متجهين في الصباح المبكر من تونس إلى مدينة زغوان التي تبعد خمسين كيلومترا عن العاصمة، فعثروا في الطريق على جثة الزعيم النقابي فرحات حشاد.
وكانت الجثة ملقاة على حافة الطريق بجانب الحفير، وكان الرأس مشدخا تشدخا كليا، ولم تعرف شخصية الميت إلا من الأوراق التي كانت في جيوبه.
وبعد ساعة علم أن سيارة فرحات حشاد - وهي من نوع سيتروين - قد وقع العثور عليها ببلدة رادس، على مقربة من تونس، وهي تحمل آثار طلقات الرصاص.
ولوحظ أن الجثة وضعت في مكان ظاهر مكشوف، وكذلك السيارة التي تركت في ملتقى الطرق برادس.»
وأضافت الصحافة قائلة: «ويظهر جليا أن القتلة بيتوا الجريمة وأعدوا لوازمها إعدادا دقيقا، وهيئوا تمثيلها كما تهيأ رواية مسرحية، وقد ارتكبوها في موضع بعيد جدا عن المكان الذي اكتشف فيه الجثة، ثم حمل الجثمان إلى جهة زغوان، وكذلك نقلت السيارة.»
حنق أعداء تونس وأعداء شعبها من المستعمرين، وامتلأت منهم النفوس غيظا وحقدا، واستعرت القلوب بغضا وكراهية، فلفظت الصدور حفائظها، وأبرزت طبائعها وأظهرت ما تحتويه من قسوة وخسة وانحطاط، فلم يشف غليلهم تقتيل الأبرياء رميا بالرصاص في النهار السافر، ولا دوس الأطفال بالأقدام أمام أمهاتهم، ولا التنكيل والتعذيب ولا التخريب والإتلاف، والقوة في قبضتهم والجيش في تصرفهم والبوليس تحت أمرهم حتى مالوا إلى الإجرام المبيت والفظائع النكراء، وكانوا جماعة مدججين بالسلاح، وكان فرحات حشاد وحيدا أعزل، فبعد أن عذبوه قتلوه برصاصة في رأسه، وبعد أن قتلوه شوهوا جثته وشدخوا رأسه، وهم يشعرون أنهم ينتقمون من شعب كامل لا من شخص واحد؛ لعلمهم أن فرحات رمز الكفاح وعنوان الإخلاص قد اجتمعت عليه القلوب وأحبه القريب والبعيد، واحترمه الخصوم والأصدقاء. ولو شوهت جثة فرنسي واحد لأقاموا الدنيا وأقعدوها، ولنسبوا التونسيين جميعا إلى التوحش والبعد عن المدنية، ولرموهم بكل نقيصة، ونسبوا إليهم كل عاهة ولمزوهم بالتدهور والانحطاط. ولكن زيادة جريمة تضاف إلى مئات سابقاتها لا تخدش في شرف الأسياد المستعمرين، ولا تفسد سمعتهم، ولا تحط من قدرهم ولا من نفوذ كلمتهم في العالم. وهم يكررون ويعيدون أنهم جاءوا لتونس ولغير تونس، لينشروا المدنية وليبثوا العلم في الصدور، وليخرجوا البشرية من الظلمات إلى النور «يحملون معهم حيث حلوا العدالة، يلقنون مبادئها لمن تاه عنها من الشعوب، ويعبدون طرق الديمقراطية، وينشرون الحرية والأخوة والمساواة في الدنيا!»
وكتب أحد التونسيين عن فرحات حشاد قال:
3
ثم إنه اليوم غني عن التمجيد العقيم وعن المغالاة في المدح، غير محتاج إلى أن نشهد له أو نتكثر في شأنه للتاريخ، فلعل أبرز ما امتاز به فرحات هو غناه عن الزوائد وخصبه كأرض كريمة ذات ثراء من باطنها، وبها يزكو نبتها وينشرق فيكتهل فيكون فيه للناس رزق وغنى يفيض على الإخوان جودا وبذلا وسخاء، ولا يستجدي ولا يتكئ على سند. «وتشهد بذلك حياته بما لها من مراحل متماسكة مطردة، ويشهد به تكوينه وخلقه، وتشهد به تضحيته الكبرى في صباح يوم ذي مطر وبرد وغيوم ... وقد لاقى أعداءه الكثيرين أعزل وحيدا فردا.»
وامتاز فرحات حشاد بحيوية متدفقة متشعبة كما يكون الإنسان عندما يستوي بشرا كاملا، ذكاء يتفهم النظريات العقلية تفهما دقيقا مع نظر للواقع يجعله يؤثر فيه ورجلاه على الأرض راسختان، وذهن لطيف مرن، وعاطفة رقيقة تسهل عليه مشاركة النفوس دواخلها وما بطن من أمرها، ويقاسمها آلامها وشجوها وفرحها وغبطتها. وذلك سر تأثيره في عشرات الآلاف من العمال وغير العمال، أفرادا وجماعات، فينقادون إليه بغير احتراز، ويتبعونه في غير تردد؛ إذ يشعرون شعورا غامضا أحيانا وواضحا مرات أنه أصبح عقلهم المفكر وعواطفهم الثائرة، وأنه مع ذلك بشر ضعيف كضعفهم، يعرف الألم كما يعرف العواطف البشرية الطبيعية العادية، وقد عاش فقيرا وذاق المسغبة ومسكنة الفقراء، فبات قريبا منهم، وهو صديق صدوق لأحبابه وخلانه، وهو أب مرح يلاعب أطفاله كأنه واحد منهم، وهو زوج مثالي، وهو أحسن مثال للتونسيين جميعا؛ إذ يشعر بالأخوة البشرية بطبيعته وجبلته، وحيثما حل سواء بميلانو في إيطاليا أو بنيويورك أو بسان فرانسيسكو بأمريكا أو بستكهولم أو بباريس، إلا وتتكون صلات فطرية بينه وبين من يجتمع بهم من البشر، وكأن الفوارق قد زالت وأصبحت النفوس متلاحمة متصلة، يجهل التعصب الأعمى، ويمقت الظلم، ويتألم للقسوة، والرحمة عنده هي العدل وإرجاع الحق لذويه.