تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا يتضح أن الإصلاحات المذكورة لا ترضي رغائب الشعب التونسي، ولا ترضي «الحد الأدنى» لمطالبنا التي حددناها بنفسنا في خطاب 15 مايو 1951، وفي مذكرة 31 أكتوبر من السنة ذاتها، وعلاوة على ذلك فإنها لا تعتبر خطوة في سبيل الحكم الذاتي الذي وعدت به فرنسا رسميا.

فمن الصعب علينا - والحالة هذه - أن نضع عليها ختمنا.

ويجدر بنا أن نلاحظ في هذا الصدد أن اتفاقية المرسى التي ورد ذكرها عدة مرات في الرسائل التي وجهها أو أحالها إلينا المقيم العام، لم تكن لتجعل حقنا في الموافقة على القوانين التي تصدر في مملكتنا مجرد مسألة شكلية، وخاصة بالنسبة للمراسيم ذات الصبغة السياسية أو التأسيسية التي تعتبر خارجة عن نطاق تلك الاتفاقية.

ولم يبق لنا من جهتنا إلا أن نأسف مرة أخرى للصعوبات التي انتهت إليها العلاقات التونسية الفرنسية، بسبب سوء التفاهم الذي جعل فرنسا تخسر فرصا كثيرة للوصول إلى حل مرض للمشكلة.

وأرجوكم، حضرة الرئيس، أن تثقوا في عواطف الصداقة التي نكنها لكم.

وتفضلوا بقبول عميق تقديرنا السامي.

الأمين الأول

| اغتيال فرحات حشاد

كانت الأخطاء في السياسة الفرنسية كالحلقة المفرغة، بعضها آخذ برقاب بعض. وكل خطأ على ما فيه من مهازل ومضاحك تجر وراءها المآسي جرا. ولم تجد الحكومة الفرنسية حلا للمشكلة التونسية؛ لأنها رفضت جميع الحلول الممكنة، وعدلت عن طريق الحق، وأغمضت عينيها عن الواقع، والواقع هو أن ثلاثة ملايين ونصفا من التونسيين أبوا أن يندمجوا في فرنسا، وأن يفنوا في الشعب الفرنسي، وتمسكوا بوجودهم كشعب له سيادته وله كيانه وله مميزاته، وله أيضا أرض ووطن. ولما رأت الحكومة الفرنسية أن إرادة التونسيين لم تنثن، ألقت لدى هوتكلوك الطاغية الهزلي وللجنرال جارباي سفاك مدغشقر الحبل على الغارب، فكان الطغيان بألوانه، وكان الفتك والتنكيل، وكان التقتيل والتشريد، وكان التخريب و«التطهير».

ولما رأت السلطات الفرنسية ارتياع الضمير البشري، وموجة الغضب والحنق تهز الرأي العام العالمي هزا لهول ما ارتكبته من فظائع؛ نزعت منزعا جديدا، وعوضت اضطهادها الظاهر المفضوح باضطهاد أشنع وأقبح، ألبسته ستارا شفافا ترى خلفه أيديها المخضبة بدماء التونسيين، فقد كانت ترتكب في النهار السافر، فباتت المؤامرات تحاك بليل لاغتيال الأبرياء وتخريب بيوت الوطنيين وبث الرعب والخوف في النفوس. (1) اليد الحمراء

شكل الفرنسيون عصابة إجرامية على مرأى ومسمع من السلطات الفرنسية، أطلقوا عليها اسم «اليد الحمراء». ومن الملاحظ أن الكتاب الأحرار من الفرنسيين أنفسهم لا يذكرونها، إلا وقرنوا معها اسم أكبر موظف فرنسي بعد المقيم العام، وهو «بونص» الكاتب العام للحكومة التونسية. وقد تجرأ الكاتب المقدام فنيدوري

Finidor

على فضحهم عندما كشف الحقيقة، فقال:

1 «وليس المجرمون مستعمرين فرنسيين فقط (وعناوين «باري - برايس» تقول: «اليد السوداء» أو «اليد الحمراء» أو «اليد الكورسيكية»)، ولكن الإدارة العليا تعرفهم فردا فردا.

ويعرفهم هوتكلوك وكولونا.

وإن قادة كوماندوس (من الفرنسيين) بالقطر التونسي معروفون، وإن أسماءهم في كل فم وفوق كل لسان.

وإنه لفي الإمكان الإدلاء بأسماء رؤساء كومندوس مدينة تونس.

ومن الأدلة القاطعة على أن الإدارة الفرنسية كلها تحمي مجرمي عصابة «اليد الحمراء»، وربما تكون مشاركة لهم وساهرة على أعمالهم؛ استحالة إلقاء القبض على أي فرد من أفرادها، حتى قال لنزك لوزون

Louzon : بينما لم يفلت من الاعتقال ولا واحد ممن ارتكبوا أو ظن أنهم ارتكبوا عملية إرهاب ضد أي أوروبي أو ما يملكه أوروبي، ولم ينج من الأحكام القاسية وحتى من الإعدام ولا واحد منهم، ترى أنه لم يلق القبض ولا على واحد من المجرمين الذين ارتكبوا عشرات الجرائم ضد التونسيين، ولن يلقى القبض على واحد منهم

تونس الثائرة · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٨٤