وكانت الثقة التي تتمتع بها الوزارة الجديدة لدى شعبنا كفيلة بمساعدتها على نجاحها في مهمتها.
غير أن الصعوبات التي لقيها المفاوضون محليا، والعراقيل التي أقيمت في سبيل تنفيذ المجموعة الأولى من الإصلاحات الصادرة في 8 فبراير بإخلاص؛ جعلتنا نقرر باتفاق مع ممثل فرنسا إرسال وفد وزاري إلى باريس لمتابعة المفاوضات مباشرة مع حكومة الجمهورية.
ثم جاء الرد الفرنسي في 15 ديسمبر 1951 يحمل إعادة النظر في مبدأ السيادة التونسية، واستبدال المسيو بريليه بمقيم عام جديد: هو المسيو دي هوتكلوك، فكان هذان الحادثان دليلا على تحول واضح من جانب فرنسا؛ الأمر الذي ترك في الرأي العام التونسي أثرا أسوأ من أثر المماطلات التي سبقت إعلان السياسة التحريرية في سنة 1950 التي سرعان ما أهملت.
ولطالما أسفنا في أثناء المحن المؤلمة التي تجتازها مملكتنا منذ أوائل سنة 1952؛ لأن الحكومة الفرنسية لم تر من واجبها الاستماع إلى مقترحاتنا وهي ثمرة تجاربنا الطويلة. كما أسفنا لأن نداءاتنا التي وجهناها إليها للمبادرة بإعادة جو من الثقة، لم تلق منها أذنا صاغية؛ فقد آثرت الحكومة الفرنسية أن تأخذ بمقترحات أخرى لجأت إلى تدابير العنف التي لم تنج منها أية طبقة من طبقات الشعب بما فيها أعلى طبقة؛ فقد اعتقل الوزراء المباشرون لمهامهم وأبعدوا، وهم الذين لم نسحب ثقتنا منهم ولم نقلهم.
وقد وضعت هذه السياسة، التي لم يسبق لها مثيل في تونس، المشكلة في مأزق حقيقي.
وفي الوقت ذاته أعلن المسيو دي هوتكلوك، أنه سيتم وضع الإصلاحات المرتقبة.
وفي أثناء قيام الإقامة العامة بتحضير مشروعات الإصلاحات، نسبت إلينا بعض الصحف التي لا نود الخوض في مصدر إلهامها، مواقف معينة تجاه تلك الإصلاحات، وكانت تلك المواقف وهمية، ولا سيما أن مشروعات الإصلاحات لم تبلغ إلينا إلا في يوم 2 أغسطس الماضي.
وقد أبرقنا إليكم في 22 يوليو حرصا منا على تجنب كل سوء تفاهم جديد مع الحكومة الفرنسية، وعندما استلمنا لوائح المراسيم لاحظنا قبل كل شيء أنها تضمنت عدة تدابير مخالفة للغرض المقصود بالإصلاحات، وأن تلك المراسيم هي أبعد ما تكون مطابقة للتأكيدات التي تضمنتها شروحها التي سلمت لنا قبل ذلك بأيام، حيث طلب إلينا المصادقة مقدما بمجرد الاطلاع على تلك الشروح على نصوص لم نطلع عليها.
ولاحظنا من جهة أخرى أن رسالة المقيم العام المرفقة للوائح المراسيم المعروضة على ختمنا، أوردت رأيا كان أدلى به حضرة رئيس مجلس الوزراء على منصة الجمعية الوطنية الفرنسية، وضمنه رسالته إلينا بتاريخ 4 يوليو 1952: وهو أن التدابير المقترحة هي «الحد الأقصى» لما تستطيع فرنسا منحه لترضية المطالب التونسية. ومعنى هذا أنه لم تترك لنا إمكانية اتخاذ تدابير أخرى غير التي تضمنتها المراسيم المذكورة، ووجدنا أنفسنا أمام أحد أمرين: إما قبول النصوص كما هي، أو رفضها.
فرجعنا قبل اتخاذ أي موقف، على أن نستشير وفقا للمبادئ الديمقراطية التي أكدناها في الخطاب الذي ألقيناه بمناسبة ذكرى ارتقائنا العرش في 15 مايو 1951، الممثلين الحقيقيين لجميع نزعات الرأي العام التونسي، لنشرك رعايانا المخلصين في مسئولية اتخاذ قرار يتعلق بمستقبل مملكتنا.
وقد قامت الشخصيات التونسية - سواء المسلمون أو اليهود - الذين اجتمعوا لهذا الغرض بدعوة منا، بدراسة مشروعات الإصلاحات مع هيئاتهم، وقدموا لنا في خاتمة أعمالهم تقريرا واضحا نرى من المناسب أن نرسل إليكم رفقة هذا نسخة منه.
وتوضح هذه الوثيقة أن الإصلاحات المقترحة:
تكون اعتداء على السيادة التونسية.
تقر الإدارة الفرنسية المباشرة.
تعزز الخلط بين السلطات واللامسئولية في الحكم.
لا تأتي بأي تقدم في سبيل إقرار الديمقراطية في المنظمات التونسية.