تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو أمر يضطرنا إلى التفكير في أن المسألة لا تعدو أن تكون إقامة «نظام عنصري» للوظائف العامة.

ظروف عرض الإصلاحات

تحدثنا عن ظروف وضع مشروع الإصلاحات، وأوردنا نقدنا للمشروع. بقي علينا أن نذكر الظروف التي عرض فيها المشروع على جلالة الباي وأبلغ للشعب.

بدأ الحديث عن إصلاحات في جو إرهابي اعتقل فيه الزعماء، ونبذت وزارة شنيق واقترفت أعمال البطش «والتطهير»، وشددت الأحكام العرفية، وأعيد نظام الرقابة.

ثم اعتقل الوزراء وأبعدوا، وتوالت شتى ضروب الضغط على جلالة الباي، ونشرت الأنباء المضللة والحملات المفزعة.

وكانت تلك مراحل السياسة التي نشأت عن رسالة 15 ديسمبر، وأدت إلى تأليف وزارة طيعة لتصريف الشئون الإدارية، على أن تتألف إلى جانبها لجنة مشتركة للبحث في الإصلاحات، وتبين فيما بعد أن تأليف هذه اللجنة يتطلب جهودا ، فرئي من المصلحة تسهيلا لتأليفها إذاعة خلاصة الإصلاحات، فأدت تفاهتها وأهدافها المحدودة بالإضافة إلى رد الفعل الشعبي إلى إعراض المرشحين عن المشاركة فيها، وحينذاك عهد للوزراء الإداريين الذين تحولوا إلى مفاوضين بمهمة المصادقة على مشروع الإصلاحات بعد بحثها بحثا صوريا.

ويلاحظ أن مشروع الإصلاحات يتماشى نقطة بنقطة مع ما ورد في الخلاصة التي نشرت في 2 أبريل سنة 1952، كما اعترف بذلك المسيو روبير شومان في الجمعية الوطنية الفرنسية.

أما عن مدى الإصلاحات واستعدادات المصلح، فقد أنذرنا المسيو بيناي بأن الحكومة الفرنسية لن تفعل أكثر من تلك الإصلاحات.

بيد أن هذه الإصلاحات لم تجد قبولا عند أي كان بسبب تفاهة مضمونها، الأمر الذي اعترف به على منصة الجمعية الوطنية الفرنسية، وبسبب الظروف السيئة التي أعدت فيها.

وأخيرا رأى أنصار المشروع سرعة للتنفيذ وحسما للإشكال أن يسلكوا طريق إرغام جلالة الباي للمصادقة على ذلك المشروع دون إجراء أية استشارة بشأنها - تطبيقا للمعاهدات - والمقصود هنا بالمعاهدات اتفاقية المرسى (8 يونيو 1883) التي تضمنت في فصلها الأول: «إن جلالة الباي يتعهد بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي تراها الحكومة الفرنسية صالحة.»

إن مدلول هذه الكلمات واضح؛ فالمقصود بها هي الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية، ولا يمكن أن يفهم منها إطلاقا بطريقة التأويل أن يقصد بها الإصلاحات السياسية والدستورية. فهذا النوع من الإصلاحات لا يدخل في نطاق اتفاقية المرسى، وهذه الحقيقة وردت مرارا في أثناء مناقشات الأزمة التونسية الفرنسية بالجمعية الوطنية الفرنسية.

وقد صرح أحد كبار أفراد الجالية الفرنسية بتونس في محاضرة ألقاها في يوم 26 مارس 1952 بالمركز الجمهوري بباريس، أنه يرى أن القيام «بإصلاحات لم تنص عليها اتفاقية المرسى» يثير مشكلة خطيرة لها علاقة بالقانون الدولي، ويجوز تحديد هذه المشكلة في العبارات التالية:

تقترح فرنسا إصلاحات سياسية ودستورية تراها صالحة، فيرفض جلالة الباي الذي يرى رأيا مخالفا المصادقة عليها، فهل تستطيع فرنسا فرضها استنادا إلى المعاهدات.

وإزاء هذا النزاع الذي له صلة بالقانون الدولي يسوغ أنصار مشروع الإصلاحات، سواء في تونس أو باريس، باقتراح حل يستند إلى القوة.

ولكن القانون يعرض حلولا أصلح، ففي أفضل الفروض ملاءمة لأنصار المشروع؛ أي في تلك الفروض التي يكون فيها الباي قد فوض لفرنسا التصرف الكامل في سيادته الداخلية بواسطة اتفاقية المرسى، ويكون فيها الحكم على صلاحية الإصلاحات المقترحة متروكا لفرنسا، فإن القانون الدولي وفقه المحكمة الدائمة بلاهاي يمنعان في أحكام قاطعة الالتجاء إلى الضغط لفرض الإصلاحات.

وهذه هي بعض القرارات: (1)

في صورة ما إذا حامت شبهة حول نية المتعاقدين، فلا بد من الأخذ بالتأويل الذي يحد الحرية أقل من غيره (قرار 10 سبتمبر 1939، المسألة القضائية الترابية للجنة الدولية بالاودر). (2)

تونس الثائرة · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٨١