تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الفكرة العجيبة لا يمكن تصورها عقلا أو قانونا، والواقع أن فكرة السيادة المشتركة التي ابتدعت لخدمة غرض خاص، انعكست في رسالة الحكومة الفرنسية بتاريخ 15 ديسمبر، وهي الرسالة التي وضعت على أساسها مشروعات الإصلاحات خرقا لما وقع تأكيده من أعلى منصة البرلمان الفرنسي، من أن فرنسا ليست في تونس صاحبة سيادة أو مشاركة في السيادة.

الخلط بين السلطات

نجد في مشروع الإصلاحات نفس الخلط في السلطات الذي كانت تمتاز به منظمات الحماية من قبل.

فالمقيم العام يتولى منصب وزير خارجية جلالة الباي، وله سلطة على التشريع بواسطة التأشيرة (التي لا تكون المراسيم نافذة بدونها)، وإن كان هذا الإجراء غير مسلم به، كما أن له سلطة على الأداة التنفيذية بما له من حق التعقيب لدى المحكمة الإدارية. وعلاوة على ذلك يمارس سلطات تشريعية بواسطة القرارات وسلطات تنفيذية بإشرافه على مصالح الأمن العام والوظائف العمومية، ويتدخل في شئون التمثيل النيابي فيما يتعلق بتأليف المجالس وسيرها ونظامها؛ إذ إن جميع المراسيم المتعلقة بهذه الشئون لا تكون نافذة إلا إذا وقعها بإمضائه.

وقد كان من الطبيعي أن يترك الوزير الأول، وهو الرئيس الأعلى للإدارة العامة بالمملكة التونسية، حق الإشراف على مصلحة رقابة المصروفات، غير أن مشروع الإصلاحات أخرج هذه المصلحة المهمة من نطاق اختصاصات السلطة التونسية، وكلف بها مدير المال الذي يشترط فيه المشروع أن يكون فرنسيا.

ويترتب على ذلك أن إدارة واحدة تقوم بالمصروفات، وتجري الرقابة عليها في نفس الوقت، ويا له من خلط فظيع في السلطات.

نظام اللامسئولية

إن تونس من البلدان القليلة التي رفعت فيها اللامسئولية إلى درجة نظام؛ فالحكومة ليست مسئولة أمام أي مجلس لا عن سياستها ولا عن تصرفاتها، وقد حدد دور المجالس بجعلها استشارية فقط، فأصبحت بذلك مؤسسات إضافية تابعة لسلطة مطلقة بدلا من أن تكون أنظمة ذات سيادة تتمتع بحق مراقبة تصرفات الحكومة، وينشأ عن ذلك فقدان المسئولية العامة والإخلال والإسراف وإتلاف أموال الدولة، كما حدث في أثناء الحرب عند قيام نظام الاقتصاد العسير، وفيما بعد الحرب بالنسبة لشئون الإنشاء والتعمير والأعمال الكبرى وغيرها ...

مشروع الإصلاحات والديمقراطية

يتضح من البيانات السابقة أن مشروع الإصلاحات لا يعطي للمنظمات التونسية - وخصوصا المجالس - أية صبغة ديمقراطية، فهو لا يرضي رغبة الشعب في الحياة الديمقراطية.

وهذا الأمر يؤسف له حقا، ولا سيما أن رغبة الشعب في الحياة الديمقراطية تتفق مع إرادة ملكه في بعث نظام الملكية الدستورية، الذي كان معمولا به في عهد أجداده.

ثم إن المشروع يقضي على إمكانية الوصول بواسطة الإصلاحات الجوهرية في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، إلى إحداث تغيير حقيقي في حياة الجماهير بالمدن والقرى الذين تزاد نسبة المواليد بينهم، وتعتبر من المشاكل الإنسانية الكبرى.

وبكلمة وجيزة ليست الديمقراطية الاجتماعية لغد.

بعض النتائج العملية للمشروع

لنا أن نتساءل: هل سيدخل التونسيون حقا الوظائف العمومية؟ ولنا أن نجيب دون خشية الخطأ: أن شيئا من ذلك لن يكون؛ لأنه لم تتخذ أية تدابير من شأنها إخلاء المناصب الإدارية التي يشغلها جمهرة من الأعيان الفرنسيين الذين قبلوا في تلك الوظائف خلافا للمبادئ والوعود، بقصد زيادة عدد السكان الفرنسيين وحرمان التونسيين من إمكانية المشاركة في الوظائف العمومية، فالإصلاحات في هذا الموضوع ليست إلا مجرد «إعلان حقوق ذي صبغة أفلاطونية».

وبالإضافة إلى ذلك، فإن أبواب الوظائف المخصصة للفرنسيين موصدة في وجوه التونسيين، وهو أمر يعرقل تكوين موظفين تونسيين سامين ونخبة فنية تونسية.

ولا شك في أن اللوم يوجه بعد ذلك للتونسيين، فيتهمون بالعجز عن القيام بمسئوليات الحكم، ويوصفون بعدم الكفاءة الفنية. وخلاصة القول: يشغل الفرنسيون مراكز السلطة والنفوذ والمناصب الفنية، ويشغل التونسيون المناصب الثانوية والتقليدية.

تونس الثائرة · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٨٠