تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكر في تبرير المشاركة المذكورة أن الفرنسيين يساهمون في ميزانية الدولة، بيد أن الحقائق الجبائية تكذب هذا الزعم؛ فإن 85٪ من موارد الميزانية تأتي من الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المستهلكون وغالبيتهم من التونسيين، و15٪ فقط من الضرائب المباشرة يدفعها أصحاب الثروات وغالبيتهم من الفرنسيين.

وإذا كان استغلال ثروة البلاد والمشاركة في الميزانية سببا للمشاركة في المنظمات السياسية؛ فإنه لا يعقل أن يحرم غير الفرنسيين من الأجانب في تلك المشاركة ووضعيتهم كوضعية الفرنسيين.

ومن جهة أخرى، فإن طريقة تأليف المجالس المذكورة بتعيين فريق من أعضائها وانتخاب الفريق الآخر بالاقتراع العام، تمنع السيادة التونسية من الظهور في ميدانها الحقيقي، ويلاحظ أن المجلس المالي ليس إلا تمديدا للمجلس الكبير الذي لم يعد في نظر روبير شومان ذاته يتماشى مع تطور الشعب التونسي في الوقت الحاضر.

أما المجلس التشريعي فلا سلطة تفاوضية له، ولا يملك حق وضع مشاريع للقوانين، وليس له إلا إبداء الرأي في بعض الشئون المعينة، ورأيه لا يلزم الحكومة في شيء، ولا صلاحية له إطلاقا بالنسبة للمراسيم المتعلقة بالمالية والميزانية، وكذلك بالنسبة للنصوص التأسيسية المتعلقة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وصلات هذه السلطات بعضها ببعض، كما يمنع عنه الخوض في الشئون السياسية أو الدستورية، وهكذا يقصر دور المجلس المذكور وهو منظمة تتمثل فيها السيادة التونسية، على مجرد إبداء بعض الآراء الفقهية في مسائل محددة.

ولم يدخل المشروع أي تعديل في الميدان التشريعي على صلاحيات الحماية المجحفة، بل أقرها وعززها في كثير من الحالات.

الاحتفاظ بالحكم المباشر وتعزيزه

يستمر المقيم العام كما - كان الحال في الماضي - في مباشرة سلطات إدارية مهمة (الأمن العام، الحريات العامة، تعيين لجان التحكيم، تنظيم الامتحانات لاختيار الموظفين ... إلخ). ويبقى المراقبون المدنيون يتمتعون بسلطات عديدة يتسع نطاقها شيئا فشيئا، وفي احتفاظهم بهذه السلطات صورة من صور الحكم المباشر في النطاق المحلي للدوائر. وهؤلاء المراقبون المدنيون الذين يزداد عددهم يشرفون فعلا على المصالح الإدارية في دوائرهم، فهم يسيطرون على البوليس وعلى الحريات العامة، وهم يتبعون الإقامة العامة، وكل واحد منهم «قيصر» ناحية تتمثل فيه السيطرة الفرنسية على إدارة البلاد.

ثم إن المصالح الوزارية التي يشرف عليها المديرون الفرنسيون في الوقت الحاضر والوظائف الرئيسية المخصصة للفرنسيين و«الوظائف المستثناة»، لتقوم دليلا على الحكم المباشر. وقد عزز هذا الحكم في مشروع الإصلاحات بجعل قسم كبير من الإدارة التونسية تحت سيطرة فرنسا مباشرة، وهو يشمل مصالح الأمن العام والمالية والعدلية والشئون الخارجية والدفاع الوطني.

السكرتارية العامة

كانت السكرتارية العامة تابعة للوزير الأول، فجعل المشروع منها إدارة حقيقية مستقلة بذاتها، وعهد إلى السكرتير العام بمباشرة اختصاصات معينة واسعة النطاق، كانت تابعة لسلطات الوزير الأول، التي تشمل أقسام الإدارة المركزية، ومن بين تلك الاختصاصات مراقبة المصالح الإدارية والوظائف العمومية وإعداد البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، وبإلغاء الصلة بين السكرتير العام والوزير الأول أصبح السكرتير العام هو الرئيس الحقيقي للدولة يباشر سلطات معينة واسعة، بينما حصر الوزير الأول في النطاق التقليدي والتشريفاتي، ومما يزيد في خطورة هذه الوضعية تكليف السكرتير العام بإعداد البرنامج الاجتماعي الذي يخوله سلطة جديدة تمتد إلى المؤسسات العامة والصحة والشئون الاجتماعية.

ثم إن تخصيص الوظائف الرئيسية (المالية والأشغال العمومية والمعارف العمومية والبريد والتلغراف والتليفون)، وكذلك وظائف السلطة التنفيذية (وهي الوظائف المستثناة) للفرنسيين وحدهم، تجعل الاتجاه إلى فرنسة الإدارة التونسية حقيقة تقرها النصوص التأسيسية، على أنه يلاحظ أن ممارسة الحكم المباشر وفرنسة الإدارة مبعثها سياسة التعمير بواسطة الموظف الفرنسي، أكثر من العناية بتحسين سير الإدارة التونسية. وقد حاولت الجالية الفرنسية، نتيجة للتوسع في السياسة المذكورة أن تركزها على قاعدة شرعية، فابتدعت فكرة السيادة المشتركة.

تونس الثائرة · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٧٩