وهل يوجد أبلغ من هذا القول في الدفاع عن السيادة التونسية، وضد فرنسة المنظمات التي تتمثل فيها؟
ولكن السيادة التونسية لم تحترم فيما بعد تحت عاملي مزاولة شئون الحكم ومرور الزمن.
وقد أقر مشروع الإصلاحات جميع الاعتداءات المتتالية التي وقعت على السيادة التونسية.
التشريع
يلاحظ في الميدان التشريعي أن تأشيرة المقيم العام المحدثة بقرار صادر من جانب واحد، وهو رئيس الجمهورية الفرنسية، تجعل المشرع التونسي تحت إرادة ممثل فرنسا، وتجرده من كل حق في التصرف، وتجعل صلاحياته صورية لا غير. (وقد احتفظ بالتأشيرة المذكورة في مشروع الإصلاحات).
التنفيذ
وفي الميدان التنفيذي لا يعيد المشروع الانسجام للحكومة التونسية ويتركها محرومة من السلطات الحقيقية، بل يقضي بالتنقيص من بعض السلطات التي كانت لها.
ولا يسند مصالح جديدة للوزراء التونسيين، وعلاوة على ذلك يلاحظ أن فكرة إحداث مناصب مساعدين للمديرين الفرنسيين قد استبعدت، وهي فكرة كان المسيو روبير شومان وافق عليها. وبالإضافة إلى ذلك يمنع عن التونسيين تولي منصب نائب مدير المالية، ويخصص هذا المنصب بصورة نهائية للفرنسيين.
ثم إن المشروع يبقي الوزير الأول بلا سلطة حقيقية ومباشرة على مجموع الإدارات.
ومن جهة أخرى كان السكرتير العام يقوم بمهام وظيفة إلى جانب الوزير الأول الذي كان محتفظا بسلطة اسمية على مصالح السكرتارية العامة، فأصبح في المشروع الجديد مستقلا وله الخيار في إطلاع الوزير الأول على أعماله.
وكانت قرارات الوزراء غير نافذة ما لم تحمل تأشيرة (السكرتير العام)، ثم استبدلت التأشيرة بمصادقة المقيم العام قبل إصدارها، وفي النظام المقترح أصبحت تلك القرارات رهن التعقيب الذي له حق القيام به لدى المحكمة الإدارية، وعهد لإدارة المالية بمراقبة المصروفات التي كان يتولاها الوزير الأول، وهكذا أصبحت تلك الإدارة وزارة فوق الوزارات، وصارت سلطة الوزراء القانونية وهمية في حالة ما إذا كانت قراراتهم لها علاقة بالمالية.
ثم إن مصلحة الأمن التي ألحقت بالإقامة العامة منذ سنة 1939 لا تدخل في اختصاصات السلطة التونسية، وهل يمكن أن تتصور حكومة تتمتع بالاستقلال الداخلي ولا سلطة لها على البوليس؟
الوظائف العمومية
أما فيما يتعلق بالوظائف العمومية، فقد حرم على التونسيين تحريما باتا ونهائيا أن يتولوا مناصب النفوذ والمسئولية؛ فقد خصصت هذه الوظائف للفرنسيين بعنوان «الوظائف المستثناة»، وهذا التحريم يجعل تحقيق الحكم الذاتي أمرا مستحيلا. وتقوم «الوظائف المستثناة» حائلا دون تنفيذ القرارات الوزارية؛ نظرا لكثرتها ونوعها وطريقة توزيعها، وقد شهدنا في عهد وزارة السيد شنيق كيف نظم الموظفون الفرنسيون عرقلة أعمال الوزراء التونسيين.
أما تخصيص الوظائف التي أطلق عليها «الوظائف التقليدية» للتونسيين، وأقصاه هؤلاء عن وظائف المالية والميزانية والأعمال الفنية، يجعل من المستحيل إقامة دولة تونسية عصرية.
المحكمة الإدارية
تعتبر المحكمة الإدارية مؤسسة ضرورية للدولة الديمقراطية، ولكن المحكمة المقترحة لتونس تعد اعتداء على البلاد التونسية لهذه الأسباب:
الأغلبية فيها فرنسية.
عينت باريس لهيئتها الاستثنائية.
خولت الحكومة الفرنسية حق تعيين أعضائها غير التونسيين.
وهي شروط تجعل من تونس ولاية فرنسية.
ويلاحظ بعد ذلك أن إسناد رئاسة المحكمة الإدارية لفرنسي مبعثه مركب السيطرة الفرنسية، الذي يقضي بأن يتولى الفرنسيون حسم المشاكل التي تحدث بينهم وبين التونسيين.
التمثيل النيابي
وفي ميدان التمثيل النيابي تعتبر مشاركة الفرنسيين في المجلس المالي والمجالس البلدية اعتداء على السيادة التونسية ، وهي مسألة خطرة جدا، لا سيما وقد سبق للنواب الفرنسيين في تلك المجالس أن استندوا لصفتهم التمثيلية للممارسة نيابة تتعلق بالسيادة الفرنسية الصرفة.