تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واضطر الوفد الوزاري التونسي بعد إقامة بضعة أسابيع في باريس، عومل في أثنائها معاملة عدم اكتراث تتنافى مع التقاليد الدبلوماسية، وبعد أن وجد أن المتفاوض معه يتهرب من كل تعهد تحت تأثير أعوان ومبعوثي الجالية الفرنسية بتونس، وكانت مهمة الوفد الوزاري أن يذكر الحكومة الفرنسية بوعدها المتعلق بالاستقلال الداخلي، ويطالبها بضرورة النظر في طرق تنفيذه؛ فأكد الوفد الوزاري في مذكرته بتاريخ 31 أكتوبر أن اجتياز المرحلة الأولى من الاستقلال الداخلي يتطلب قيام حكومة تونسية متجانسة، وإنشاء مجلس منتخب للتشريع والمراقبة، ووضع نظام تونسي للوظائف العمومية.

ويلاحظ أن المطالب المذكورة تمثل الحد الأدنى للرغائب الوطنية .

وقضت الحكومة الفرنسية ستة أسابيع تفكر في تلك المطالب وتتباحث فيها، ثم ردت على مذكرة الحكومة التونسية برسالة 15 ديسمبر 1951 التي سببت قطع المفاوضات بشدة؛ إذ تضمنت نقض الحكومة الفرنسية لجميع تعهداتها السابقة التي كانت تعتبر نهائية، واستبدلت الحكم الذاتي الموعود برابطة نهائية بين البلدين، منتهكة بذلك بصورة واضحة نصوص الحماية والقانون الدولي.

وقد أدلى المسيو روبير شومان لمجلس الجمهورية الفرنسية في 20 / 12 / 1951 بتصريحات، حاول فيها أن يخفف من تأثير رسالة 15 ديسمبر، بأن أكد أن عبارة «السيادة المشتركة» لم ينص عليها في تلك الوثيقة الرسمية، ولكن برغم تصريحاته تلك بقيت فكرة السيادة المشتركة هي الفكرة التي تركزت فيها إرادة الحكومة الفرنسية في المحافظة على مشاركة الفرنسيين في المنظمات السياسية بالبلاد التونسية.

ثم اتخذت رسالة 15 ديسمبر 1951 التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة التونسية الفرنسية الحالية، قاعدة لوضع مشروع الإصلاحات الذي يقصد به في نظر أصحابه إيجاد حل لتلك الأزمة.

نقد مشروع الإصلاحات

لم تتناول الشخصيات المستشارة في تقاريرها بحث مشروع الإصلاحات من الناحية المبدئية الصرفة، ولكنها بحثتها على ضوء المصلحة الوطنية البحتة.

وهم لا يؤخذون على هذه الطريقة في الوقت الذي يعلق فيه السياسيون الفرنسيون - على اختلاف نزعاتهم - تسوية المشكلة التونسية على صيانة مصالح فرنسا قبل كل شيء، وبصورة لا تقبل الجدل.

وبناء عليه اتخذنا في هذا التقرير العام معيارا واحدا اتفقت عليه جميع اتجاهات الرأي العام التونسي، واهتدينا إلى هذا المعيار بفضل ما اقترحت بعض الشخصيات التونسية خلال اجتماع أول أغسطس سنة 1952 من ضرورة دراسة مشروع الإصلاحات على ضوء صلاحيته لبعث السيادة التونسية، فنال موافقة جميع الحاضرين.

فجاء خطاب العرش في 15 مايو 1951 نتيجة لذلك يعلن فيه جلالة الباي بصورة خاصة «أن التدابير التي اتخذت تكون مرحلة أولى، وقد قررنا القيام بخطوة جديدة تشمل إعادة تنظيم الحكومة وقيامها على أساس التمثيل الشعبي في مجالس منتخبة.»

اعتداء على السيادة التونسية

ليست الحماية هي التي أنشأت السيادة التونسية، فقد كانت تونس موحدة وذات إدارة منظمة قبل تكوين الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية بكثير، خلافا لما أشارت إليه رسالة 15 ديسمبر 1951.

كان لبلادنا ملكها وميثاق حقوقها (عهد الأمان المعلن في سنة 1857) ودستورها (1861) وحكومتها وإدارتها، وكانت نزعتها إلى التطور متمشية مع تيارات التاريخ السياسية.

وإذا لم تبلغ المنظمات المذكورة كامل ازدهارها في ذلك العهد، فمرجع ذلك إلى أن ظروفا غير مواتية وناتجة عن قوانين التناسق الطبيعية وعن المناورات الأجنبية التقليدية في بلاد الشرق.

وكان على نظام الحماية الذي تولته جمهورية ديمقراطية وحرة، أن يساعد وفقا لنصوص المعاهدات وحرصها على تطور المنظمات التونسية التي كانت قبل قيام ذلك النظام في نمو مطرد، وقد ضمنت فرنسا بقاء تلك المنظمات رسميا، حتى إن ممثلها في ذلك الوقت أكد بأنه «لا يرى داعيا لزوال الأنظمة الإدارية التونسية التي كانت ثمرة تجارب عدة قرون، ولها ما يشابهها عند الشعوب ذات الحضارة المماثلة لحضارة تونس الحديثة، ولتعويضها بمنظمات نشأت عن حضارة أخرى تلبية لحاجات أخرى.»

تونس الثائرة · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٧٧