تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربما لم نعر ذلك الكلام - في وقته - ما يستحق من الاهتمام، مع أنه ينبئنا عن أحداث ملكية دستورية، بل وقع التصريح فيما بعد عن شكوكنا الكبيرة في نية الباي الحقيقية في وضع حد لسلطانه كملك مطلق، وتحت ضغط الحوادث رأى سيدي الأمين من مصلحته أن يسابق إلى تكوين مجلس استشاري قد شمله مشروع الإصلاحات.

وإن مناورة الملك في المرحلة الراهنة للمفاوضات الفرنسية من أبرع المناورات، وإنه وإن لم يكن عازما على رفض مشروع الإصلاحات، إلا أنه يريد تأخير قبولها أكثر ما يمكن، وإن استشارة ما يقرب من ثلاثين شخصية طلب منهم أن يعبروا عن رأيهم فيها كتابيا يسمح له بربح الوقت.

وقد تضع تلك المناورة المقيم العام في موقف حرج، ومهما يكن قرار الملك فقد أصبح في إمكانه أن يدعي أنه لا يتكلم باسمه الخاص، ولكنه يتكلم بتأييد ومساندة ممثلي شعبه الحقيقيين.

وبما أن ما قام به من عمل كان سريا إلى ساعة الاجتماع نفسها، فإنه أحدث بعض الدهشة بتونس، ولم يكن من نتائجه تهدئة الخواطر، بل ارتفعت درجة الحرارة من جديد بعد.

واجتمعت اللجنة مرة ثانية وقدمت لجلالة الملك تقريرها، فوافق عليه، ونظرا لأهمية هذه الوثيقة التاريخية فإننا ننشرها بنصها:

تقرير هام

تفضل جلالة محمد الأمين الأول في غرة أغسطس 1952 بدعوة أربعين شخصية تمثل مختلف نزعات الرأي العام التونسي للاجتماع في قصره بقرطاجنة، بقصد النظر في مشروعات الإصلاحات التي عرضتها الحكومة الفرنسية على مصادقة جلالته.

وجدير بنا أن ننوه بالمغزى التاريخي لهذه الخطوة التي قام بها جلالة الباي، وما تنطوي عليه من نزعة ديمقراطية تجسمت فيها المبادئ الديمقراطية التي تضمنها خطاب العرش في 15 / 5 / 1951، فقد رغب جلالة الباي المعظم في تشريك الشعب في مسئوليات اتخاذ قرار يتعلق بمصير البلاد، وطلب من جميع الشخصيات التي قام باستشارتها بأن تدرس نصوص الإصلاحات دراسة عميقة، ثم تدلي بآرائها فيها وتبين هل هي موافقة للمبادئ التي تضمنها خطاب العرش، وهل ترضي الرغائب الوطنية؟

استشارت الشخصيات المذكورة هيئاتها، وحررت تقارير تضمنتها تعاليقها على المشروعات، وسلمت تلك التقارير للجنة المتكونة من ثلاثة عشر عضوا انتخبوا في اجتماع أول أغسطس؛ لكي تتولى هذه اللجنة تحرير تقرير عام ترفعه إلى جلالة الباي مع جميع الوثائق المجتمعة لديها.

رأت اللجنة بعد فحص التقارير فحصا دقيقا أن تتخذ طريقة في العمل ترمي إلى جمع الآراء الرئيسية الواردة في شتى التقارير تحت عناوين جامعة، ثم تجمع تحت عناوين أخرى الآراء المتفرقة في سائر التقارير والتي عرضها أصحابها باختصار.

وحرصت اللجنة في تحرير تقريرها على احترام النزعة العامة للآراء التي أدلى بها المستشارون، مع ملاحظة أنها فضلت عند تحرير التقرير توزيع عناصره حسب الآراء لا حسب المواد.

ظروف وضع مشروع الإصلاحات

يهمنا أن نذكر الظروف التي أدت إلى وضع مشروع الإصلاحات الحالي قبل الشروع في دراسة هذه الإصلاحات.

ألفت وزارة السيد محمد شنيق في ط 17 أغسطس 1950، وعهد إليها بمهمة «التفاوض باسم جلالة الباي في التعديلات الجوهرية التي ينبغي أن تقود البلاد التونسية إلى الاستقلال الداخلي على مراحل متتابعة.»

ثم صدرت إصلاحات 8 فبراير 1951 بعد مفاوضات طويلة وشاقة.

وكان القصد من تلك الإصلاحات في نظر الذين عملوا على إصدارها، أن تظهر شخصية الحكومة التونسية، وتقلل من العراقيل التي كانت تحول دون تمتعها بحرية العمل. ولكن شتى ضروب المعاملات والمقاومات والمشاغبات وسوء النية التي بلغت في بعض الأحيان بأصحابها إلى التخريب، حالت عند التنفيذ دون تطبيق ما تضمنته الإصلاحات من وعد بإظهار شخصية الحكومة التونسية.

وبما أن المفاوضات في العاصمة التونسية لم تثمر النتائج المرجوة بسبب تأثيرات الجالية الفرنسية، تم الاتفاق على مواصلة تلك المفاوضات مع الحكومة الفرنسية في باريس.

تونس الثائرة · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٧٦