وفي أثناء المحادثة لمح بينوش إلى أن تكوين برلمان في تونس من شأنه التقليل من سلطة الباي، فقال له الباي؛ أولا: لم تبق لي أية سلطة. وثانيا: إن هذه المسألة مسألة خاصة بي والشعب.
واستأذن بينوش من جلالته قائلا: «إن الحكومة الفرنسية تعتمد على حكمته السامية للخروج من الحالة الراهنة وإعادة الهدوء والنظام إلى البلاد.»
وقد دامت المقابلة ساعة وعشرين دقيقة.
ثم سافر بينوش فجأة إلى باريس ليلة الجمعة بعد أن قابل بعض الشخصيات، وقد علمنا أن العلاقات بينه وبين المقيم كانت متوترة!
ولقد أدخل عمل جلالة الملك الحيرة والقلق على المقيم العام والحكومة الفرنسية، عندما أقام الدليل على أنها عدوة الديمقراطية، وعلى أنه هو الديمقراطي الحقيقي؛ إذ لا يريد إلا ما يريده الشعب نفسه. وقد عبرت جريدة «لوموند» عن ذلك الاضطراب في مقالات متعددة، بينت فيها قيمة ذلك الاجتماع التاريخي والمناورة السياسية التي احتوى عليها.
قالت بتاريخ 3-4 / 8 / 1952:
في الواقع لا يمكن أن نتغافل عن الأهمية الكبرى التي لتلك النواة البرلمانية، سواء في ميدان الحوادث الجارية الآن وغضون المحادثات التي شرع فيها المقيم العام، أو في ميدان أوسع وهو ميدان الملكية الحسينية ونظام الدولة التونسية.
ولكن نظرا للتوتر الحالي للنتائج الممكنة لكل حركة يقوم بها أحد الطرفين؛ فإن ما يسترعي الانتباه ويلفت النظر في ذلك العمل، ليست ميزته الثورية الحاملة في طياتها تطورات المستقبل، لما فيها من خروج عن الملكية المطلقة، ولكن في القيام بمناورة تكتيكية بالنسبة للسياسة الفرنسية، فلا يمكن أن يجد الملك عملا أكثر إقلاقا للمقيم العام ووزارة البكوش مما قام به، وهو يوضح أيضا بجرأة لا مزيد عليها اتفاق البلاط مع الحركات الوطنية، ولم يتظاهر الباي أبدا حتى في مدة وزارة شنيق - الذي لاحظنا غيابه عن ذلك الاجتماع - بذلك الوفاق المتين بينه وبين الدستور وأنصاره. ويجب الاعتراف بأن السياسة التي كانت ترمي خلال أشهر طوال إلى التفريق بين الملك والحركة الوطنية، قد منيت أمس بخيبة مرة.
واتصل حالا «م. دي هوتكلوك» بباريس؛ إذ حسب من المعقول أنه لا بد أن تتطلب الحالة الجديدة تعليمات جديدة، وأن المقيم على استعداد ليضرب أجلا مدته سبعة أيام، إما للقبول وإما للرفض، وقد أصبحت الجالية الفرنسية تعلق على عمل الباي في حديثها وهي غاضبة، وتشير إلى أنها ستعرف قيمة المقيم العام من رد فعله على «استفزاز» البلاط الملكي.
وإن التعليقات التي سمعتها من جميع الجهات تزداد حماسا وحرارة بقدر ما تزداد الاضطرابات والمظاهرات حول مقر الحكومة التونسية، ففي الصباح نفسه بينما كان ذلك الاجتماع الشهير يتجادل بقرطاجنة، كانت جماعات من المتظاهرين متجهين نحو القصر الذي يسكنه البكوش، وانفجرت ثلاث مرات متواليات المفرقعات.
وأردفت قولها ذاك بمقال ثان في نفس العدد، أبرزت فيه ما سينتج عن اجتماع الأربعين من أخطار، قالت:
سيستمر الحديث طويلا على ما قام به باي تونس يوم الجمعة (غرة أغسطس 1952) من عمل ثوري تقريبا، ولقد ظهر كأن سيدي الأمين وضع حدا لتلك الملكية المطلقة - نظريا على الأقل - التي كانت أقيمت بتونس وجعلت من الملك وحده المتحكم في اختيار مستشاريه ووزرائه وقراراته.
ومما يدل على نواياه أيضا إشارته لخطاب العرش الشهير (15 مايو سنة 1951) فإن سيدي الأمين أعلن في ذلك اليوم عن نيته في إدخال تعديلات، على أداة الحكم، وكيفية تركيزها على قاعدة تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة، وتحديد اختصاصات هاته التشكيلات.
ثم بعد ذلك تحدث عن إعداد النصوص التي تقر نيابة منتخبة تمثل كافة طبقات شعبنا، وكذلك عن مراعاة ما تقتضيه سياسة الرعية من الرضاء والقبول للأحكام الماضية عليها.