وقد حدث كل هذا كما لو أن الباي لا يريد اتخاذ أي قرار قبل استشارة شعبه.
فقد افتتح الاجتماع بقوله:
ها هي مقدمة سبعة مشاريع مراسيم إصلاحات قدمتها لنا فرنسا، وها هو خطاب «م روبير شومان» بالمجلس النيابي الفرنسي، فادرسوها وأتوني بالرد؛ لأن النصوص التي ستقدم لي تبلغ حدا من الخطورة لا أستطيع عنده تجاهل الرأي العام التونسي.
ورغم أن الحوادث جعلت الوقت في منتهى الضيق، فإن الباي لم يطلب من لجنة الاثني عشر عضوا المتفرعة من مجلس الأعيان هذا الأجل القديم.
هذا وقد أجاب بعضهم بقبوله ما دامت فرنسا لم تعترف في تصريح رسمي بوجود السيادة التونسية موحدة وغير قابلة للتقسيم، فإننا نرفض الإصلاحات الفرنسية.
وقد صرح الدكتور المقدم (الزعيم الحالي للدستور الجديد بعد إبعاد الحبيب بورقيبة)، بدقة قائلا: إن أغلبية المجلس قد ردت بعد ردا أدبيا على مشروعات الإصلاح التي لا تتمشى مع رغبات الشعب التونسي ورغبة جلالة الباي، وختم تصريحه بقوله بشدة: إن هذه النصوص فيها رجوع إلى الوراء بالنسبة للوضع الحالي في تونس. (9-2) دهشة في الإقامة العامة «وقد دهش المقيم العام والبكوش من هذه المناورة الفجائية ولم يبتهجا بها، وذلك لأن البكوش كان يعتزم دراسة النصوص مع جلالة الباي بمفرده بدلا من المقيم العام الذي أقسم الباي على أنه سوف لا يقابله في المستقبل. وقد وضعته هذه المناورة في موقف مضحك، ويبدو من الطبيعي أن يفكر في تقديم استقالته إلى الباي.
أما «م. دي هوتكلوك»، فقد وضعه هذا الملك الذي تحميه فرنسا في موقف محرج للغاية، فقد أعاد فتح ملف الإصلاحات التي قبلها وزيره الأول ومجلس وزرائه، واختار لدراستها وطنيين يرفضونها.
ومع ذلك يجب علينا أن نتفاوض، ولكن مع من سنتفاوض في المستقبل وقد جمع ترددنا حول الباي جميع القوى الشديدة التي تمثل عالما عربيا، يريد أن يحكم نفسه بدون تدخل الأجنبي في المستقبل.
ومع ذلك فقد وقعت محاولات في دوائر الإقامة العامة طيلة الأسبوع للضغط على الباي، واستعملت جميع الوسائل حتى المالية منها والتي كانت تستهوي الملوك الأخيرين، فلم تضف إلى مخصصاته 180 مليونا رغم طلباته الملحة تلك المخصصات التي تمثل 6 أضعاف مخصصات رئيس الجمهورية الفرنسية.
وأوقفنا دفع الأموال التي يحتاج لها والتي بلغت في الأشهر الثلاثة الأولى سنة 1952 فقط 180 مليونا، وسخرنا أصحاب القروض وقدمنا له حسابات ما كان يدفعها من قبل حتى هددنا بالالتجاء إلى أصحاب البنوك.
ولكن رغم تشديد الخناق على أمواله، فإن الباي لم يبلغ منتهى الفناء؛ إذ إنه يقبض علاوة على مخصصاته العادية 400 مليون في السنة لشئون عائلته وكبار رجال البلاط، ورجال الدائرة الملكية، ولكن يبدو أن ذلك لا يكفيه.
ولذا أفهمناه في الأسابيع الأخيرة أن قائمة مخصصاته ستضاعف، وأنه سوف يقبض مبالغ جديدة وضخمة لا تؤخذ إلا من إرثه. ولكن وسائل الضغط هذه لم تأت بالنتائج المنتظرة؛ فإن حاجة الحاشية لا تفسر تفسيرا كافيا موقف الباي الصلب. إن الشيخ العنيد يستند إلى رغبات الأمريكيين وتصريحاتهم، وإن كان يختبئ وراء عزم يبعثه على الاستقلال، فإنه يريد بذلك الانتقام للنفوذ الملكي الذي حطمه وجود الحماية الفرنسية.
ويلاحظ في دار الإقامة العامة أن الباي أراد باستدعاء مجلس نواب تونسي أن يبرر موقفه أمام شعبه قبل قبول الإصلاحات، ويضاف إلى ذلك أن من بين الشخصيات التي حضرت المجلس وتألفت منها لجنة الاثني عشر المتفرعة عنه، بعض الشخصيات ذات الميول الفرنسية.
ونعتقد في الوقت نفسه أن أي تصلب من الجانب الفرنسي سيؤدي حتما إلى موقف أشد صلابة من الجانب التونسي.
والمظنون أن «م. دي هوتكلوك» كان عشية أمس دائم الاتصال بوزارة الخارجية الفرنسية، وأنه حاول أن يتحادث مع السيد البكوش الذي لا يريد أن يزعجه أحد في يوم الجمعة المقدس يوم الصلاة، كما حاول أن يتحادث مع بعض الشخصيات التونسية.