فأجاب الباي بهدوء: «لقد قلنا لكم إننا لسنا آلة توقيع، إن إعداد فرنسا لذلك النص استغرق سبعة أشهر لتعرضه علي، وقد طلب من البرلمان الفرنسي وجميع المصالح المختصة، ومن الجزائر نفسها ومراكش أيضا أن يبدوا رأيهم في تلك الإصلاحات، فإنكم تعطوننا لا محالة شهرين أو ثلاثة لنتمكن نحن أيضا من بحثها بدقة، ونستشير في موضوعها الممثلين الحقيقيين للشعب التونسي.»
فظهر القلق على دي هوتكلوك، وقال: «ترى الحكومة الفرنسية ألا يقع بحث تلك النصوص ومناقشتها إلا من طرف الممثلين الشرعيين للشعب التونسي، وألا يطلع عليها المتطرفون.»
فأجاب الباي بحزم: «إننا ننوي استشارة جميع الناس، متطرفين ومعتدلين، ويبلغك القرار بطريقة بكوش الذي نعتبره «ساعي بريدنا».»
وختمت هكذا المحادثة، ورفض دي هوتكلوك الإدلاء بأي تصريح إثر خروجه من البلاط، ولكنه أسر إلى صديق له من الصحفيين: «إني عدت بالخيبة والمرارة والانهيار.»
أهكذا يكون الكلام؟
هكذا كان الأمر!
هل نحن في حاجة لنبين أن الكلام الذي يتفوه به حضرة المقيم العام للجمهورية الفرنسية، يجعلنا نشك في حسن ذوقه وعقله واتزانه السياسي وخصاله الدبلوماسية؟ ومهما تكن الأغلاط وسوء التفاهم في العلاقات الفرنسية التونسية، فإنا نحتاج قبل كل شيء في حالة التوتر الراهنة إلى أشخاص ممتازين بذكاء يكون فوق المتوسط على الأقل، فليس أمام فرنسا هناك أناس متوحشون، بل يقابلها بتونس مفاوضون أو خصوم بلغوا الذروة في المدنية.
وكنا نود أن يكون الطرفان متعادلين في ميدان المحادثة والمفاهمة، عندما تحمل المحادثات في طياتها أخطر النتائج، فتكون كفة من يمثلنا تعدل على الأقل كفة من يخاطبنا.
أوليس من الحقيقة أن تلك الوثيقة تسمح لنا أن نزداد فهما في الميدان السيكلوجي على الأقل للسبب الذي جعل أمورنا وأمور الحرية نفسها لا تسير حسب المرغوب.
وكان المقيم العام أراد أن يحتاط لنفسه، وأن يضع المسئولية كلها على الجانب التونسي، وأن يزيد في الضغط على الملك، فأرسل له في يوم المقابلة نفسه مذكرة طالبا منه أن يوقع حالا مراسيم الإصلاحات، قال فيها:
بناء على اهتمام حكومة الجمهورية الفرنسية بالبر بالوعود التي قطعها ممثلوها الرسميون، ونظرا لرغبتها في احترام تعهداتها التي التزمت بها للمملكة التونسية؛ فقد وضعت نصوصا تدخل إصلاحات جوهرية على المنظمات التونسية وفقا للفصل الأول من اتفاقية 8 يونيو 1883، فباسم حكومتي أعرض هذا المشروع على موافقة حضرتكم العلية، راجيا منها أن تضع ختمها على لوائح المراسيم التي ستقدم لها.
وإن حضرتكم العلية ستجعل «للبيليك» - أي حكومة الباي - بإصلاح الهيئة التنفيذية والمجالس النيابية والسلطات المدنية، منظمات صالحة لمساعدة تطور البلاد التونسية، وتمكن السكان من المشاركة بصورة أوسع من الماضي في تسيير الشئون العامة.
وسينسى هكذا التونسيون والفرنسيون والأجانب بفضل حكمة حضرتكم العلية وبمشيئة الله الصعاب التي نشأت أخيرا، وسيتحدون في العمل ويستأنفون بشجاعة أكبر وفائدة أوفر المجهود الذي يبذلونه بلا انقطاع لازدهار البلاد وسد حاجة الجميع.
وأخذ المقيم العام يمطر الملك برسائله المتوالية، حتى أجحف إلحاحا وأفرط في الضغط، ولكنه اعترف أنه لم يطلع القصر على نص الإصلاحات، وأن المسودة التي تليت يوم 28 يوليو هي مجرد تلخيص لفحواها. وقد اكتفى دي هوتكلوك بإرسال ذلك التلخيص نفسه مصحوبا بمذكرة هذا نصها:
سري
البلاد التونسية
29 يوليو 1952
المقيم العام
مولاي
أتشرف بأن أرسل إليكم رفقة هذا النص العربي للمذكرة التي تمت تلاوتها على جلالتكم أثناء المقابلة التي تفضلت بتحديدها لي يوم 28 يوليو.
وأغتنم هذه الفرصة لأذكر جلالتكم أنني سلمت إليه أثناء تلك المقابلة ذاتها مذكرة مرفق بها مذكرة تفسيرية لمشروعات المراسيم المختلفة الخاصة بالإصلاحات، وطلبت منها أن تعلم يوم الخميس القادم الوزير الأكبر برأيها في هذا الموضوع، ورأيت أن هذا الأجل كان كافيا لدراسة وثائق موجزة، وهي على كل حال واضحة وضوحا كبيرا.