تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا ختمت تلك الحادثة. (8-2) المقيم يتظاهر باللطف

ثم مضت مدة طويلة كانت كلها مخاتلات، وكان الكلام دائما يدور حول الإصلاحات التي لم يطلع عليها الباي أبدا، وفي كل مرة يطلب الباي نص هذه الإصلاحات إلا ويجاب أنها: «بصدد التعريب»، وقد سعى المقيم العام في الاتصال بالبلاط الملكي يوم 28 يوليو، بمناسبة زفاف الأميرة ليليه ابنة الباي، وأظهر الرغبة في تقديم تهانيه، فأجاب الباي لمن توسط في ذلك: «فما على المقيم العام إلا أن يقدم تهانيه مباشرة للزوجين نفسيهما، وأن حفلة الزفاف كانت عائلية بحتة»، ولم يجد «م. دي هوتكلوك» أحسن من نشر بلاغ يعلن للرأي العام أن الإقامة العامة إظهارا لروح التفهم والصداقة قد أبلغت إلى البلاط هدية ذات قيمة لا تقاس، وتلك الهدية التي لا تقاس طبق!

وكان ينبغي حسب طلب المقيم أن تكون المحادثات خاصة بين الباي والمقيم لا يحضرها غيرهما، وكان الباي وحده، ولكن المقيم أتى مصحوبا بأربعة أشخاص: سامران مترجم الإقامة، والكولونيل لوفاسور دي بياك، المستشار القانوني بالإقامة ... وبكوش.

وأخذ دي هوتكلوك يتعاظم، ثم أخرج ورقة من جيبه وشرع يلقي على الملك عدة أسئلة كما يحقق رئيس مركز البوليس مع أي متهم عادي، وصمد الباي في موقفه، واحتج على رقابة الأخبار معلنا أنه لن يتأخر عن دعوة ممثلي شركات الأنباء الأجنبية لإرجاع الحقيقة إلى نصابها فيما يتعلق بالأخبار التي لا نصيب لها من الصحة والتي تذاع عن سلوكه.

فقال دي هوتكلوك في صلف وحدة: «ولكنك رفضت أن توقع على بعض الأوامر (المراسيم) التي لا تتحمل التأخير نظرا لخطرها.» فقال الباي: «لسنا آلة لتوقيع جميع المشروعات التي تعرضونها علينا، وإننا نرى من اللازم بحثها بحثا دقيقا، وإننا لا نوقع عليها إذا رأيناها تضر بمصالح التونسيين الذين أقسمنا على أن نبقى أوفياء لهم وخداما لمصالحهم.»

فاستخدم دي هوتكلوك اللمز والدس قائلا: «يظهر أن مصاريف البلاط فاقت الميزانية المعينة للدائرة السنية.»

فأجاب الباي بشدة: «إنا نأخذ ما نتقاضاه من الصندوق الوطني الذي يغذيه الشعب التونسي بماله، فإن رفضتم فإن الشعب التونسي يتكفل بتوفير ما أحتاجه.»

فقال دي هوتكلوك - بلطفه العادي: «ما زلتم تتكلمون على الشعب، فلتفكروا قليلا فيما صنعه مع الملك فاروق.»

فقال الباي والاحتقار والازدراء بائن عليه: «لم ينل فاروق إلا ما استحقه، ولقد كنا نتوقع ما ناله من مصير منذ مدة مديدة، ولكن يا حضرة المقيم العام هل جئتم لتحدثوني عن الميزانية أم عن الملك فاروق؟ فأتموا قائمة أسئلتكم، وسلموا لي نص الإصلاحات، إن كان تعريبها قد تم، في حالة من الأحوال؛ لأننا بقينا وحدنا من دون الناس لم نطلع عليها.» (8-3) كيف يتم فصل الأمور الهامة؟

وهكذا يصبح المشهد الروائي مضحكا فيه من الفضيحة ما فيه، يتظاهر المقيم بأنه يفتش في جيوبه، فيخرج منديله، ثم علبة سجاير، ثم يصيح بالكولونيل لوفاسور: «كولونيل، اذهب وفتش عن ذلك النص، فإنه بقي في سيارتي أمام البلاط.»

وخيم سكوت ثقيل.

وخرج الكولونيل، ثم دخل وناول المقيم ورقة صغيرة - من الورق العادي - على إحدى صفحتيها نص فرنسي، وعلى الصفحة الأخرى نص عربي، وسلم المقيم بدوره تلك الورقة للباي. ويظهر أن التعريب حديث جدا، وكان كله استدراكات.

فأخذ الباي الورقة وقلبها، وعير وزنها مظهرا استغرابه وتهكمه. وإن تلك الإصلاحات العظيمة التي كثر التحدث عنها ونوه بشأنها وخطرها وتعمقه في بحثها، قد احتوتها هذه الوريقة الصغيرة التي تشبه ورق بقال والتي قدمت له هكذا من غير اكتراث.

واتخذ دي هوتكلوك لهجة رسمية فخمة ليقول: «إنا نرغب من سموكم أن توقعوا على هذا النص في أقرب وقت ممكن، في حفلة الطابع المقبل، يوم الخميس.»

تونس الثائرة · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٦٩