تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أشار المقيم العام إلى حوادث مصر وما كان من مصير الملك فاروق فقال: إنكم تتحدثون دائما عن الشعوب، هلا رأيتم موقف الشعب المصري تجاه فاروق.

فأجاب الملك: أجل! ولكن الشعب المصري كان في خصام مع ملكه، والحالة في تونس مغايرة، فإن الشعب والملك متفقان ويعملان لنفس الغاية، ولو بقينا وحدنا لكنا متفقين في جميع الشئون.

وقال دي هوتكلوك: أخيرا من المصلحة أن نتقابل مرة أخرى قبل انتهاء الأسبوع.

فأجاب الملك: الوزير الأول بكوش هو صندوقي للبريد فإذا كان لديك شيء تريد أن تقوله لي فإنه يقوم بمأموريته بسرعته الاعتيادية.

ثم طلب المقيم العام في ختام المقابلة نشر بلاغ عنها في الصحف، فرفض جلالته الموافقة على ذلك قائلا: إنه قد تنسب له اقوال لم يفه بها بتاتا.

وعند ذلك غادر المقيم العام القصر وصرح للصحفيين بأنه ليست لديه أقوال يدلي بها.

وقد نشرت بعض الصحف الباريسية المحادثات التي دارت بين جلالة الملك والمقيم العام خلال هذه الفترة الدقيقة، وبينت الظروف التي أحاطت بها بيانا شافيا، واستقت جريدة «فران تيرور» خاصة أخبارها من أوثق المصادر قالت بتاريخ 6 / 8 / 1952:

لو لم تشتمل المشكلة الفرنسية التونسية على مأساة، لكان ما ننشره اليوم عنها يذكرنا مشهدا مسرحيا، وأما فيما يتعلق بممثل فرنسا فإنه مشهد مضحك يبقي في نفوسنا مرارة، وسيرى القارئ فيما يأتي هل لمقيمنا العام الحذق اللازم لكسب ثقة الذين يملي علينا العقل السليم أن نجعل منهم أصدقاء وشركاء مع المحافظة على كرامتهم واستقلالهم، هذا المقيم الذي سلمت له جميع سلطات القمع والمفاوضة، وسيرى القارئ أيضا خلال هذه الرواية أي الشقين امتاز بالكياسة والكرامة.

عندما يأكل «م. دي هوتكلوك» من لحم الأسد

رجع المقيم العام إلى تونس يوم 5 يوليو 1952 بعد غياب دام خمسة أسابيع، حاملا معه مشروع إصلاحات ورسالة من رئيس الوزارة الفرنسية إلى جلالة الملك يطلب منه فيها أن يوقع على المشروع الذي سيعرضه عليه «م. دي هوتكلوك»، وصرح «م. دي هوتكلوك» إلى أصدقائه إثر نزوله من الطائرة جادا: «إني رجعت من باريس قويا إلى أقصى درجة! أقول لكم: قويا جدا!»

وإننا سنرى ما سنرى ... ونتفرج على الأدوار والألعاب ... وجمع المقيم يوم 7 يوليو المديرين الفرنسيين والوزراء التونسيين في مقره بمدينة المرسى (من ضواحي تونس) وقرأ عليهم نصوص الإصلاحات قبل أن يعرضها على الملك، ويوم 8 يوليو تحدث مع الباي وسلم له رسالة الرئيس بينيه.

وكان الملك يتجنب ما أمكن الاتصال المباشر مع المقيم العام لأنه يراه سيئ الأدب. (8-1) المحادثة الأولى

المقيم العام :

سأسلم لسموكم في القريب نص الإصلاحات بمجرد ما تنتهي إدارتي من ترجمتها للعربية، وأصرح لكم أن 1400 من المعتقلين سيطلق سراحهم ما عدا الذين قاموا بمخالفة، وباستثناء بورقيبة.

الباي :

يوجد حينئذ معتقلون من بين التونسيين لم يعملوا شيئا؟ أما بورقيبة فإننا لا نفهم أن تتعنت الحكومة الفرنسية ضد هذا الرجل الذي قام بجميع ما يمكن ليحقق الصداقة الفرنسية التونسية، فأصبح اليوم مرمي على كدس من الحجارة وحوله بعض الصيادين، فلا يمكن له أن يقتني حتى حبوب «إسبرين»، وأنتم ترفضون إطلاق سراحه أو نقله إلى مكان آخر.

فلم يجب المقيم العام بشيء، بل رأى من البراعة أن يطلب من الباي أن يحضر في العرض العسكري يوم 14 يوليو، «فرفض الباي» وألح دي هوتكلوك قائلا: «إن الحكومة الفرنسية تلح كثيرا لتكونوا ممثلين، ويمكن لكم أن تنيبوا نجلكم الأمير الشاذلي مثلا.»

الباي :

ولكنكم كنتم قلتم لي أنتم بأنفسكم إن ابني الشاذلي، وابنتي زكية كانا يقومان بأعمال التخريب، وإنا نرى غير لائق وجود مخربين يجلسون بجانب ممثل فرنسا، ومهما يكن من أمر فإن لم نحضر بأنفسنا فلن نرسل أحدا ليمثلنا.

تونس الثائرة · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٦٨