ثم استطرد الأمير الشاذلي باي يتحدث عن مساعي وزارة البكوش الحالية بشأن الإصلاحات، فأكدنا تأكيدا جازما بأنه ليس هناك وزير واحد يتمتع بثقة جلالة الباي، وحتى «بلخيرية» وزير الدولة الذي قيل عنه إنه دافع بقوة في أثناء المباحثات الأخيرة عن بعض وجهات نظر الوزارة السابقة.
وهنا سألنا الأمير الشاذلي كيف يمكن الخروج من المأزق الحالي الذي بلغت إليه العلاقات التونسية الفرنسية، فابتسم ولم يجب واكتفى بقوله:
لما يعرض المقيم العام مشروعات الإصلاحات على جلالة الباي فإن جلالته سيدرسها ويبلغ ملحوظاته عليها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية.
ثم سألناه عن المساعي التي تبذل في هيئة الأمم المتحدة فأجاب بقوله:
أما نتيجة هذه المساعي التي ستظهر في 20 يوليو فيظهر لي أننا سنتجاوزها ... ولكن أكتوبر قريب!
وأوفد المقيم العام إثر ذلك المسيو ساماران مستشار الحكومة التونسية لمقابلة جلالة الملك للاستفسار عن حقيقة البرقية وتبديد كل التباس بشأنها، إنه أرسل فعلا تلك البرقية قطعا لدابر الإشاعات والأنباء الكاذبة التي تنشرها الصحف، كما أعلمه بأنه موافق تمام الموافقة على التصريحات التي أدلى بها نجله الأمير الشاذلي لوكالة الأسوشيتيد بريس وأنه هو الذي كلفه بالإدلاء بتلك التصريحات نيابة عنه، بل هو الذي حدد موضوعاتها وعباراتها.
وفي 27 يوليو قام مسيو ماتييه مدير الخاصة الملكية - وهو فرنسي - بنشر إشاعة في القصر تفيد أن مصروفات القصر تجاوزت الاعتمادات المقررة، وأن السلطات قلقة من هذا الأمر، وقد يكون الغرض من نشرها هو أن الإقامة العامة كانت تريد معرفة رد فعل جلالة الملك لاستثمار المساومة للضغط عليه.
وتمت المقابلة بين جلالة الملك والمقيم العام الفرنسي في اليوم التالي، ودامت ثمانين دقيقة بحضور بكوش الوزير الأول وسامران مستشار الحكومة التونسية وبيك المستشار بالإقامة العامة.
وبدأ المقيم العام حديثه بطلب إيضاحات عن البرقية وعن تصريحات الأمير الشاذلي باي، فأعاد جلالته ما أجاب به سامران بالأمس.
ثم قدم المقيم لجلالة الملك بعض أوراق محررة باللغة الفرنسية لا تتضمن نص الإصلاحات، بل عرضا ملخصا لمشروعات مراسيم الإصلاحات مرفقا بمسودة ترجمتها باللغة العربية.
وطلب المقيم من الملك بيان الأسباب التي دعت لإرسال برقيته إلى رئيس الجمهورية، فرد عليه جلالته بقوله:
لقد اتجهت إلى رئيسكم لإحاطته علما بموقفكم تجاهنا، ولأحتج على الأعمال التي نسبتها إلي صحافتكم، وبناء عليه أرجوكم أن تبلغوني في المستقبل رغباتكم كتابيا، وسأجيب عليها كتابيا، وذلك منعا لانتشار الشائعات والأقوال الكاذبة التي تنسب في أثر كل مباحثة تجرى بيننا، أما فيما يتعلق بمشروعات الإصلاحات فيجب أن تعلموا أنها لا تخصني شخصيا ولكنها تهم شعبا كاملا، وأنا لست إلا خادم هذا الشعب الذي يبلغ تعداده الثلاثة ملايين ونصف من الأشخاص، لا بد من الاتصال بهم وتلقى آرائهم بهذا الشأن، فإذا قبلوا الإصلاحات فيا حبذا، وإذا رفضوها فإني أكون قد قمت بواجبي، ولذلك فلا بد لي من شهر أو شهرين للتفكير مليا في الأمر وجمع مختلف الآراء.
فقال المقيم: ولكن أطلب إليكم ألا تقتصروا على استشارة المتطرفين وأن تتصل استشاراتكم العناصر المعتدلة.
فأجاب جلالة الملك: حسنا، سأستشير جميع الشخصيات المسئولة والتي لها مركز اجتماعي مثل السيد القسطلي وغيره.
وبعد ذلك ذكر المقيم العام لجلالة الباي أن مصاريف القصر تجاوزت كل حد، فرد عليه جلالته قائلا: «اعلموا أولا أن مصروفات القصر يتحملها الشعب التونسي على أن سلفكم وعدني بزيادة مخصصات القصر، ولكنه لم يفعل شيئا، وكان ينبغي أن أطلب إليه تسجيل وعوده كتابة، وعلى كل حال إذا كانت الدولة لا تريد أن تستمر في صرف مخصصات القصر فإن الشعب مستعد لتحملها مباشرة.»