وقد أعلن جلالته في أثناء الحديث الأخير الذي جرى بينه وبين المقيم العام أنه خادم الشعب التونسي وأنه يقبل تلك الإصلاحات إذا قبلها الشعب ويرفضها إذا رفضها.
وجلالته لم يكلف البكوش بالبحث في الإصلاحات المذكورة، وهذا الوزير لا يتمتع بثقته ووزارته كلها فرضت بقوة الجيش، وقد رفض جلالة الباي مثلا استقبال الوزير الأول في يومي 14 يوليو و15 يوليو سنة 1952، وعلاوة على ذلك فإن دي هوتكلوك كان يقول عند تأليف الوزارة الحالية إنها وزارة إدارية وليست وزارة مفاوضات.
ومهما يكن من الأمر فإن الإصلاحات المذكورة تعتبر خطوة إلى الوراء ولا تحقق أي تقدم نحو الاستقلال الداخلي وتقر السيادة المشتركة، فهي تبقي الازدواج في الحكومة وتترك مراكز أساسية للفرنسيين مثل المالية والتعليم العمومي وغيرهما ... ثم إن مصلحتين مهمتين وهما مصلحة مراقبة الموظفين ومصلحة مراقبة الحسابات قد أقصي عنها التونسيون، ويحتفظ مدير المال في هذه الإصلاحات بحق مراقبة المصروفات، وهو يعين في كل إدارة أو وزارة مراقبين تابعين له يتصرفون بمطلق الحرية، وهؤلاء المراقبون يرفضون بوصفهم فرنسيين الامتثال لأوامر الوزراء التونسيين، وإذا حدث أنهم امتثلوا لأمر وزير فيهم يخبرون مدير المال بعدم موافقتهم على ما اقترح صرفه، فيقوم مدير المال بالمساعي اللازمة لإلغاء مقترحات الوزير. وكذلك تقضي المشروعات المذكورة ببقاء «الأمن» خارجا عن سلطة الحكومة التونسية، والحال أن حكومة بدون «بوليس» تكون تحت رحمة مختلف أنواع المناورات، وحكومة هذا شأنها لا تستطيع القيام بمهام الحكم.
وفي معاهدة «باردو» عهد لفرنسا بالسهر على الأمن في الحدود والسواحل لا غير، وقد كانت مصلحة الأمن قبل سنة 1939 تابعة للسكرتارية العامة للحكومة التونسية تحت سلطة الوزير الأول. (5) المحكمة الإدارية
جعلت الحكومة الفرنسية من هذه الهيئة محكمة فرنسية تراقب أعمال الإدارة التونسية وتعتبر المحكمة الاستئنافية التابعة لها والتي مقرها باريس تابعة لفرنسا أيضا، وقد سبق لجلالة الباي أن رفض مثل هذا «الإلحاق» في مذكرة سلمها للمقيم العام (الأسبق) مونص ووجود المحكمة المذكورة تمكن المقيم العام من إلغاء جميع قرارات الوزراء التي لا يرتاح لها المقيم العام، ومعنى ذلك بقاء العمل بتأشيرة المقيم.
ولا ينبغي أن نغفل أن إسناد رئاسة المحكمة لفرنسي يجعل الأغلبية فيه فرنسية. (6) المجلس الاقتصادي
وفي هذه الهيئة تعتبر القرارات لاغية لقيامها على مبدأ السيادة المشتركة.
والمسألة لا تعدو أن تكون شطر المجلس الكبير السابق إلى شطرين.
والشطر الآخر هوج. (7) المجلس التشريعي
الذي لا يؤلف بالانتخاب العام خلافا للمجلس الكبير السابق، وتحتم أن تحمل قراراته تأشيرة المقيم العام فلا اختصاصات له إطلاقا. (8) الوظائف العمومية
لا تنطوي المشروعات في هذا السبيل على أية خطوة تقدمية؛ إذ تبقى أبواب الوظائف العليا والرئيسية مثل المالية والأمن موصدة في وجه التونسيين، وبالإضافة إلى ذلك فإن مواد الامتحانات مماثلة لمواد الامتحانات في فرنسا، ويتولى التحكيم فيها لجان مختلطة، ومن جميع ما تقدم يتضح أن الإصلاحات لن تحدث صدمة «بسيكولوجية».
ويستمر الفرنسيون المقيمون بتونس وفقا لما جاء في رسالة 15 ديسمبر المشهورة في المشاركة في المنظمات السياسية والإدارية للملكة التونسية، والحال أن النزاع بين تونس وفرنسا نشأ عن تلك الرسالة.
ثم تحدث الأمير الشاذلي باي عن احتفالات 14 يوليو وما قيل من انتداب ولي العهد الأمير «عز الدين» ممثلا لجلالة الباي فقال:
إني أكذب تكذيبا قاطعا مثل هذا الانتداب؛ فقد جرت العادة أن يمثل الباي أحد أبنائه في الاحتفالات الرسمية التي لا يحضرها بنفسه، وقد قيل إن المقيم العام بعث برسالة شكر للباي بمناسبة 14 يوليو، وهو أمر لا أساس له من الصحة، ولا وجود لمثل هذه الرسالة.