وبهذا يتضح جليا أن الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس التشريعي وهم من التونسيين فقط إنما تعينهم فرنسا في الواقع؛ إذ إن أمر تعيينهم يخضع لموافقة ممثل فرنسا المقيم العام بتونس ليكون نافذا.
وخلاصة القول: إن المظاهر الأساسية للسيادة التونسية التي يحتفظ بها جلالة الباي مقضي عليها بالتلاشي؛ بسبب ما للمقيم الفرنسي من سيطرة على حياة البلاد التشريعية. (4) الإدارة العمومية (أ)
تبقى الإدارات التي يسيرها الوزراء التونسيون خاضعة لسلطة المقيم العام خلافا للمزاعم التي تضمنها المشروع الفرنسي؛ ذلك أن المقيم العام يملك حق التعقيب على جميع القرارات الوزارية بإحالتها إلى محكمة أطلق عليها «المحكمة الإدارية»، وقد أسندت رئاستها لفرنسي، وبها أربعة أعضاء من الفرنسيين وأربعة من التونسيين، وبهذا الحق الذي يملكه المقيم الفرنسي، مضافا إلى الأغلبية الفرنسية في المحكمة المذكورة يتعذر تنفيذ أي عمل يعتزمه الوزراء التونسيون؛ لأن أعمالهم تكون تحت رحمة السلطات الفرنسية، وعلاوة على ذلك فإن الأحكام التي تصدرها تلك المحكمة يمكن استئنافها لدى محكمة استئنافية مقرها في فرنسا وتتألف هي أيضا من أغلبية من الفرنسيين، وهكذا تظهر سياسة الازدواج التي تسلكها فرنسا في إلحاق محكمة تونسية بمؤسسة فرنسية مقرها فرنسا. (ب)
يقضي نظام أية دولة عصرية بأن يشغل الأهالي وظائف بلادهم، كما يقضي بأن تكون لغتهم هي اللغة المتداولة في الإدارة، غير أن المشروع الفرنسي ينكر هذه المبادئ الأولية، ويفرض على التونسيين المرشحين للوظائف العليا والوظائف الرئيسية بالإدارة اللغة الفرنسية كمادة أصلية في الامتحانات التي تجرى لانتخاب الموظفين، وذلك في بلاد لغتها العربية، وهذا الشرط يضاف إلى القائمة الطويلة من الوظائف المخصصة للفرنسيين والتي تحرم التونسيين من جميع المراكز ذات الأهمية في إدارة بلادهم.
يتضح من البحث السابق أن مشروع الإصلاحات الفرنسية يعزز - لا أكثر ولا أقل - السياسة الاستعمارية الفرنسية التي تهدف إلى اعتداء مطرد على السيادة التونسية، وتتجاهل تجاهلا تاما الرغائب المشروعة للشعب التونسي في السيادة الكاملة والاستقلال.
إن الشعب التونسي قد رفض جميع الإصلاحات الفرنسية المضللة، وهو يتحمل منذ أكثر من تسعة أشهر ما تسلطه عليه السلطات الفرنسية من ضروب العسف والإرهاق التي يقابلها بمقاومته الباسلة وهو ثابت في عزمه على استرجاع استقلاله.
وإن فرنسا التي توالي خرق ميثاق هيئة الأمم المتحدة تتقدم بمشروع إصلاحات من شأنه - لو قبل - أن يدعم على أسس قانونية الحكم المباشر وسياسة إبادة السيادة التونسية، وهي تهدف بذلك المشروع إلى تضليل الرأي العام العالمي عن حقيقة نواياها التي تتسم بأشد النزعات الاستعمارية تأخرا ووحشية.
ورأى الرأي العام التونسي ما يهدده من خطر بمجرد ما اطلع على مشروع الحكومة الفرنسية، وعقد نواب جميع المنظمات القومية اجتماعا لبحثه فرفضوه بالإجماع، وبينوا في لائحة نشروها أسباب الرفض، وهذا نصها:
لائحة
الحزب الحر الدستوري الجديد.
الدستور القديم.
الاتحاد العام التونسي للشغل.
الاتحاد العام التونسي للفلاحة.
الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة.
الغرف الاقتصادية (الزراعية) (التجارية).
اتحاد المحامين.
اتحاد الأطباء.
اتحاد الصيادلة.
اتحاد المهندسين.
جميع المنظمات الرياضية والثقافية.
إن الموقعين أدناه ممثلي المنظمات القومية التونسية السياسية والنقابية والمهنية والصناعية والغرف الاقتصادية والمهن الحرة.
بعد أن اطلعوا على البيانات التي أفضى بها أمام الجمعية العمومية (مجلس النواب) وزير الخارجية الفرنسية حول مشروع الإصلاحات الذي تنوي فرنسا تطبيقه في تونس.
يرون أن هذا المشروع لا يعدو أن يكون مماثلا من جميع النواحي للمشروع الذي صدر بصدده بلاغ الإقامة العامة بتاريخ 2 أبريل الماضي، والذي قد سبق أن اعتبر غير مقبول من قبل عموم الرأي العام التونسي.