ويبدو من الوقائع الملموسة أن التسميم كان سيتم على النحو التالي:
العاشوري يسلم السم إلى الأميرة «رقية» التي تسلمه إلى مساعد الطباخ، ومساعد الطباخ يتولى مع الشاويش مختار خادم جلالة الباي على المائدة وضعه في طبق جلالته، وقد أطرد الشاويش مختار وكذلك مساعد الطباخ.
أما القرص الوردي - ويقال إنه من مادة الأكونيتين - فقد أرسل نصفه إلى باريس للتحليل، وبقي النصف الثاني بأيدي العائلة الملكية.
وختم الأمير الشاذلي حديثه بقوله: «إننا نثق بالعدالة الفرنسية، فلننتظر، ولكن يجب ألا يقال إنها خرافة شرقية.»
ونزلت المسطرة مرة أخيرة على المكتب تصحب نزولها ابتسامة انتهى على أثرها الحديث.
وتروج الآن إشاعات متعددة في تونس لا يمكن التأكد من صحتها، فإذا قبلناها أصبح كلام الأمير الشاذلي واضحا غاية الوضوح، والرأي السائد أنه اعتداء ذو صبغة سياسية، فقد قيل إن العاشوري الذي هرب في نظر بعض الناس واغتيل أو سجن في بعض البيوت في نظر غيرهم، كان الوسيط بين مدبري المؤامرة، ويهمس الناس بأن مدبري المؤامرة هم موظفون عالون في الإقامة العامة، وبعض أفراد العائلة الملكية الذين تهمهم وراثة العرش.
ويقال إنها مؤامرة سياسية؛ لأن الأمير عز الدين والأمير الصادق وهما خليفتا الأمين باي حسب قاعدة الوراثة المعمول بها لا يمكن أن يقاوما السياسة الفرنسية في تونس.
والعاشوري كانت له صلة بالأمير الصادق الذي تربطه به، وكذلك بالأميرة «رقية» ميلهم للشعوذة وعلوم السحر، غير أن العاشوري الذي استند إلى علاقاته ليعلم الأميرة «رقية» بالمؤامرة كان يجهل إنها تعترف منذ عهد حديث بجميل الأمين باي عليها، فقد أبدت له استعدادها للمشاركة في المؤامرة؛ لكي تستطيع كشفها بسهولة.
وعلى كل فإنه باعتقال العاشوري وهو أمر مستبعد - حسب الرأي السائد هنا - ينكشف كل شيء حول هذه القضية الغامضة ويتبين أساسها.
ي،
| الإصلاحات المرفوضة
(1) رفض الإصلاحات الفرنسية المزعومة
لم تسجل قضية تونس في جدول أعمال الأمم في اجتماعها بباريس 51 / 1952 ولم يقبل مجلس الأمن المناقشة فيها عندما اجتمع بنيويورك في أبريل 1952، ولكن الحكومة الفرنسية كانت تخشى الجلسة العامة لهيئة الأمم التي ستعقد جلستها بأمريكا في شهر ديسمبر 1952، فسعت في أن تسابق الزمن بحل المشكلة التونسية حلا ترضاه وتصبو إليه، فتضع الرأي العام العالمي أمام الأمر المقضي؛ إذ تقيم الدليل له على أن المفاوضات بين تونس وفرنسا قد استؤنفت، بل أثمرت ثمرتها وأنتجت خير نتيجة وتم الاتفاق وساد الوئام وصدرت الإصلاحات كما تريدها فرنسا ، ونفذت وقضى الأمر ولم يبق لتدخل الأمم المتحدة مبرر أصلا.
وبعد أن استعصى تشكيل اللجنة المختلطة فماتت قبل أن تولد ودفنت وقبرت، لم يبق إلا أن تفرض الحكومة الفرنسية ما تريده على جلالة الملك بالقوة، وما كونت جو اضطهاد وإرهاب إلا لذلك الغرض، ولكن الشعب بالمرصاد، متماسك القوى، متراص الصفوف، كله يقظة وحذر، مستعد لرد هجمات الاستعمار في كل ميدان، حتى لا يزيد استفحالا واستعصاء عن كل معالجة، ولكي لا يتمكن من إعطاء اعتداءاته صبغة قانونية تجعل اغتصابه حقا مشروعا، ولكي يبقى الحق حقا والظلم ظلما، واليقظة واجبة والحذر ضروري؛ لأن ساعة غفلة تقضي على مستقبل البلاد.
وإن نظرة خاطفة للتحويرات التي أرادت فرنسا فرضها، كافية لكشف الغايات الفرنسية وجوهر الاستعمار الفرنسي نفسه.
وقد عددت الدعاية الفرنسية أبواقها وبثت أخبارها ونشرت في العالم دويها وجلبتها، وأكثرت من التصريحات وملأت الدنيا بالبلاغات والبيانات تكرر وتعيد أن فرنسا ستعطي لتونس الترضيات اللازمة وستحقق لها رغباتها وستحل مشكلتها بمنحها إصلاحات جوهرية تضع حدا نهائيا للخلاف، وأخيرا ختم وزير خارجية فرنسا نفسه تلك الحملة بخطاب