هي الأميرة رقية، إنها قريبة للملك الحاضر ، ليس لها علاقات مستمرة بالقصر، ولم تكن علاقتها بالباي بصفة رسمية طيبة؛ إذ لم يبق في خدمته ابنها ياور الملك السابق المرحوم المنصف باي، ولكنها مرضت فأرسل لها جلالته طبيبه الخاص ومبلغا من المال، فهل كان الاعتراف بالجميل هو الذي دفعها إلى كشف المؤامرة؟ إن الأمير الشاذلي لم يقل شيئا حول كل هذا.
واكتفى بقوله: كان البائع «العاشوري» متصلا بالأميرة، واتفق معها بأن يسلمها السم يوم الخميس حوالي الساعة الخامسة، فأعلمت الدكتور مامي عن طريق طفلة صغيرة، فخاطب الدكتور أخي محمد بالتليفون، وذهبا سويا إلى الأميرة، وكان «العاشوري» هناك فسأله أخي: «أين السم»، فأشار «العاشوري» إلى صدره، فخلعت ملابسه وعثرت على قرص صغير لونه وردي، وكذلك جواز مرور بإمضاء الجنرال «جارباي» يصرح «للسيد العاشوري الموظف لدى سمو الصادق باي أن ينتقل بكل حرية في البلاد التونسية»، وتاريخ تلك الوثيقة هو 20 فبراير (1952). - هل حققتم معه؟ - لم أره إلا مدة خمس دقائق، ولكنه ذكر كل ما يعرف لأخي، ويبدو من كلامه أن أشخاصا آخرين من القصر يشاركونه في المؤامرة؛ ولذلك أطلقنا سبيله. - لماذا لم تسلموه للبوليس؟ - كان قد وعدنا بالعودة في الغد في الساعة الثانية بعد الظهر ومعه جميع المعلومات الخاصة بالمؤامرة، ولكنه لم يعد، والبوليس يبحث عنه ولم يعثر عليه بعد، فإذا اعتقل اعتقد أنه سيفصح عن كثير من الأمور. - هل ذكر لكم من سلمه السم؟ - لا أستطيع أن أذكر لك أي اسم، لقد سلمنا هذه القضية للعدالة، ونحن نحتفظ بالسر حتى يمكن اعتقال كل المتآمرين. - هل ذكر أسماء أشخاص فرنسيين؟ - نعم! نعم! - أسماء خطيرة؟ - إنها ... أسماء فرنسيين، لا أريد أن أكاشفكم بشيء، ولكني أؤكد لكم أنها مسألة خطيرة. - ما الذي دعا العاشوري إلى إعلامكم بكل شيء؟ - لقد دفعه الخوف، ولكني لا أستطيع أن أخبرك بأكثر من هذا، فالبوليس بأيدينا ... قد ينكشف ذلك يوما ما ويعلم الناس الحقيقة، فهناك على الأقل خمسون شخصا شاركوا في المؤامرة، فلماذا أبوح بالأسماء الآن، لقد قلت كل شيء لقاضي التحقيق، كما ذكر له أخي والأميرة «رقية» كل ما يعرفان. - لماذا أطلقتم سراحه؟ - لقد ذكرت لكم السبب؛ أن البوليس ليس بأيدينا. - وضرب الأمير الشاذلي مكتبه بالمسطرة التي كانت بيده في حركة جافة. - هل قال لكم أن أحدا دفع له مالا؟ - لم يقل لنا شيئا، ولكنه أشار إلى بعض الشهود أنه سيستلم خمسة أو عشرة ملايين. - ماذا كان يحدث لو سلمتوه للبوليس؟ - إنه الآن هارب. ولكني لا أبحث عنه هو، إني لا أهتم إلا بأمر واحد، وهو أننا أنقذنا حياة صاحب الجلالة واتخذنا بعض الإجراءات بالقصر، ولكني أعلم الآن أساس المؤامرة، وليس من شأني أن أصرح بذلك، وإنما هو شأن العدالة الفرنسية. - أصحيح أن الكيماوي الذي أتيتم به وعرضتم عليه السم فقد وعيه بعد أن ذاقه؟ - صحيح لقد وضع منه جزءا بسيطا صغيرا على شفتيه وإذا به يسقط فاقد الوعي. - لقد وقع تكذيب هذا الأمر. - إنني أقول لك إنه صحيح، غير أن الصحف لا تستطيع أن تقول شيئا هنا بسبب الرقابة؛ ولذا وقع التكذيب، لقد سقيناه قهوة لكي يعود إلى رشده. - كيف تفسرون الوقائع؟ - فابتسم الأمير الشاذلي وبدا له السؤال سخيفا إلى أقصى حد؛ إذ لم يكن يستطيع ولا يريد أن يجيب عليه، ونزلت المسطرة على زجاج المكتب ثم قال: إننا ننتظر، فالأمر بيد العدالة.
ولما سألناه عن انتحار الياور السابق لجلالة الباي الذي أصبح ياور الوزير الأول قال: كان أخوه صديقا للعاشوري، وكان هو يردد ليلة موته: «كل الناس تحدثني دائما عن حادث التسميم، إني ليس لي أي شأن بالموضوع، إنه أخي.» ومهما يكن من أمر لقد دفن الآن ... لقد قيل إنه انتحر بطلقتي مسدس، أليس ذلك صعبا؟ وعلى كل لقد قيل إنه «انتحر».