وبطلت كل سهرة وانطفأت جميع الأنوار في تلك الليلة من رمضان، وكان مظهر الإضراب في الليل مروعا رهيبا؛ إذ ساد العاصمة التونسية وضواحيها الظلام، وساعدت السحب الدكناء التي خيمت والبروق والرعود، فكست المدينة حلة من الإجلال الحزين.
واستمر الإضراب العام شاملا البلاد كلها، فكانت جميع الأسواق مقفرة خاوية على عروشها، وكذلك فندق الغلة، وكل دكاكين المدينة، وقد شارك مجموع السكان في هذا الإضراب العام الذي ساده جو من السكون والهدوء، واعترفت الصحف الاستعمارية المعادية بنجاحه الباهر (تونس، سوار، 14 / 6 / 1952).
ثم انتظمت المظاهرات الشعبية المتوالية، فقد انتظمت في صباح 14 يونيو مظاهرة كبرى ضمت عددا وافرا من أبناء الشعب، واخترقت الأحياء القديمة حتى أشرفت على باب الجزيرة، فاعترضتها قوات الأمن الفرنسية واصطدمت معها وسعت في تشتيتها وألقت القبض على عدد من الشبان.
واشتد الخلاف بين تونس وفرنسا، وتعمقت الهوة واستفحلت الخصومة، وقد لخص صحفي فرنسي في جريدة «فران تيرور» (30 / 6 / 1952) الحالة الناتجة عن مؤامرة التسميم، قال:
الأمير الشاذلي أكبر أنجال جلالة الباي قال لي
ليست محاولة تسميم الباي خرافة شرقية، إنما هي مؤامرة شارك فيها على الأقل خمسون شخصا.
إن التونسيين عندما تحدثهم عن محاولة التسميم التي استهدف لها جلالة الباي يوم 11 يونيو الماضي يجيبونكم في حذر.
إنك أنت أيضا تعتقد أنها خرافة شرقية.
ومن الصعب أن تقنعهم بأنك إنما تسألهم للاستطلاع، إن صحافة تونس «الفرنسية» قد أظهرت الحادث في مظهر الدعابة والخرافة أو في مظهر قصة عائلية، فالرقابة لا تسمح بأن تنشر الصحف إلا سطورا ليست ذات أهمية، فإذا فكرنا في القدر الذي كانت تشغله في الصحافة الفرنسية أقل تفاصيل لمحاولة مماثلة يستهدف لها رئيس الجمهورية لا يمكن إلا يعتبر الإنسان السكوت في هذه الحالة ذا دلالة.
ففي الحالة الحاضرة التي يسودها التوتر إلى أقصى حد لا يوجد تونسي لا تدل في نظره محاولة اغتيال الأمين باي على حدث سياسي خطير جدا. وهذا القول صحيح إلى حد أن الإضراب الذي أعلن يوم 14 يونيو عندما انتشر الخبر نجح نجاحا لم يسبق له مثيل، فقد كان إضرابا إجماعيا، وقام الأستاذان «إيزار» و«زهير» (والأخير هو محامي جلالة الباي الخاص) باسم جلالة الباي بإقامة الدعوى، وإن في تولي الأستاذ «إيزار» الدفاع في هذه القضية دليلا في نظر التونسيين على حقيقتها وخطرها، فالأمين الأول في نظرهم ليس صاحب السيادة القانونية فقط؛ بل هو بالإضافة إلى ذلك أحد أركان مقاومتهم؛ ولذا فإن محاولة القضاء عليه أثارتهم أكثر مما قيل.
فاضطررنا سعيا وراء بعض المعلومات إلى الالتجاء إلى من استهدفهم هذا الحادث، فلا يمكن سؤال من ينكر وجود أمر مادي ملموس حول ذلك الأمر؛ ولذا ذهبنا نبحث عن المعلومات لدى الأمير الشاذلي النجل الأكبر لجلالة الباي.
فاستقبلنا في منزله بضاحية «المرسى»، وهو رجل أشقر طويل القامة ذو عينين براقتين، ما زال مظهره رياضيا رغم الأربعين، وأيد ذلك أسلوبه في إدارة الحديث في حماس وصراحة، ثم في تراجع وتحفظ يبررهما مركزه وموقفه.
قال لنا: هل رأيتم كيف يقطع عني التليفون، أنا ابن جلالة الباي؟! (ورفع سماعة تليفونه الصامت وقدمها لنا). - إننا نقيم هنا منذ شهر أبريل، وقد طلبت مرارا من الإدارة أن تعيد للتليفون الحرارة فوعدتني، ولكنها لم ترسل أي شخص، ففهمت ... (ورفع يده بإشارة عجز). - هل تتفضلون بمحادثتنا عن واقعة التسميم؟
فقال بشدة: أولا: إنه حادث حقيقي؛ فهو ليس خرافة شرقية، إنه أمر واقعي، إنها مؤامرة شارك فيها في نظري خمسون شخصا. - كيف وصلتم إلى اكتشافها؟ - قبل بضعة أيام أخبرني الدكتور «مامي» رئيس أطباء صاحب الجلالة، بمؤامرة يجري حبكها ضد جلالة الباي بضاحية «المرسى»، وقال لي: إن بعضهم يعد حادث تسميم، فلم أهتم بالأمر، بيد أن أميرة تقيم في «المرسى» أخبرتني كذلك بالمؤامرة.