تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في الميدان المادي لهذا الحادث، فنلاحظ في تعجب ودهشة - بالرغم من خطورة الاتهام - أنه لم تقع الاحتياطات الأولية للتأكد من التطابق المطلق في الأدلة والبراهين التي لم تتنسق إلا في تصريح جانب واحد.

على أن الارتباك والحيرة الحاصلين في القضية يبرران فقدان هذا الانسجام، ولكنه يضر على الأقل بالحقيقة ويحرمها من أن تكون مبرأة من الشوائب.

وأخيرا فإن الذي لا شك فيه في هذه المسألة هو أنها تصلح ذريعة وجيهة جدا لرفض مشروع الإصلاحات الجديد، فهل نفهم أن هذا هو الأصل الحقيقي للقصة كلها.

وقد أرجعت جريدة «الصباح» الحقيقة إلى نصابها وفندت أقاويل الصحافة الاستعمارية وأزاحت الستار عن نوايا القوم وخبثهم فقالت: «إن الرأي العام التونسي الذي يطالع بمنتهى الاهتمام كل ما يقال عن الحادث الهام لينظر إلى هذه التأويلات بعين مريبة جدا، ويتساءل عن أسبابها الحقيقية التي جعلت أصحابها يندفعون فيها دون تحرج، بل ويتفقون في جوهرها الذي جعلوه مجرد «عادة» من عادات الشرقيين استولت على الأسرة المالكة في هذه الظروف.

لقد قيل إن العدالة قد أخذت على عاتقها مهمة البحث والتحقيق في الحادث، وبالرغم من أن الرأي التونسي ينظر بعينه الخاصة إلى سبب هذا الحادث، ويفهمه فهما يعتبره هو الحقيقة بعينها، إلا أنه احتفظ برزانته وتثبته، ولم يندفع اندفاعا طائشا في التعاليق التي قد تضر التحقيق الذي استلمته العدالة، ولكنه في الوقت نفسه يفهم أيضا التأويلات التي راحت هذه الصحف تنشرها وتتوسع فيها، وهو فهم يؤيد له فهمه المتعلق بسبب الحادث نفسه.

ولسنا في حاجة لأن نغرق في التفصيل والتدليل على أنه يتساءل لماذا يا ترى تحاول هذه الصحف أن تعزو سبب الحادث إلى القصر نفسه، وفي العائلة المالكة وحدها دون غيرها، فهل تفعل ذلك لكي تبعد الشبهة عن عناصر أخرى خارجة عن القصر، قد كان لها ضلع أو لعلها كانت هي السبب الأول والأخير في هذه المحاولة الفاشلة المفضوحة؟

بل ولماذا نحاول إلى جانب ذلك أن ننكر وجودها إنكارا تاما ونكتب عنها بأسلوب يوهم أن الحادثة مختلقة من أساسها ولا أساس لها من الواقع؟

إن هذا التعجل والحرص الغريبين اللذين تبديهما بعض الصحف التي اشتهرت في المدة الأخيرة بمناوأتها للتونسيين واستفزاز عواطفهم واستغلال كل شيء للمس بهم فقد جعلت الرأي العام التونسي يتأكد من تأويلاته هو لهذا الحادث الشنيع.»

لم يستغرب شعب تونس من خسة الاستعمار الفرنسي وانحطاط أنصاره وسفالة طبعهم وسفه أخلاقهم وصلفهم وكذبهم وتزييفهم، فلا عجب ممن اغتالوا الشهيد فرحات حشاد غدرا ومثلوا بجثته، وقتلوا الشهيد الهادي شاكر شر قتلة وشوهوا جثمانه الكريم، أن يسعوا في ارتكاب جريمة أخرى ويسعون في تسميم جلالة الملك، وخاصة أن المجرمين معروفون لدى السلطات الفرنسية وأسماؤهم فوق مكتب المقيم الجديد «فوازار» الذي تنصب فيما بعد مكان السفاك دي هوتكلوك ولم يعتقل ولم يحاكم أي واحد منهم إلى هذا اليوم.

وقد صرح المحامي الفرنسي جورج إيزار - وهو رجل جدي - إلى الجريدة الاستعمارية «لابريس» (27 / 6 / 1952) بعد أن جاء إلى تونس لدراسة القضية قال: «لقد اطلعت أمس على كامل الملف، وإن القضية تظهر لي جدية جدا، ولو لم تكن كذلك لما قبلت التكليف بها»، وأضاف: «لا يمكن أن تكون قضية التسميم قضية خيالية أو ظاهرة من ظواهر الشعوذة الجماعية، إذ لو كانت من هذا النوع فلم اختفى العاشوري عن الأنظار؟»

ولما نقلت الألسن خبر تلك المؤامرة الدنيئة، انتشر السخط والحنق، واهتز الشعب اهتزازا عنيفا، وكانت الأعصاب متوترة من قبل، وزاد الصيام في حماس الجو، وما كادت تبرز الصحف - صباح 14 / 6 / 1952 و21 رمضان - ناقلة نبأ التسميم حتى أضربت العاصمة التونسية وضواحيها احتجاجا واستنكارا لهذا العمل الإجرامي الفظيع المدبر، وقد توقفت حركات النشاط توقفا كاملا وساد العاصمة جو رهيب غاضب، وامتد الإضراب العام من مدينة تونس إلى جهات القطر شيئا فشيئا حتى شملها كلها في آخر اليوم، وتهافتت الاحتجاجات من مدن المملكة وكثرت وتعددت، وكانت الصحف التونسية صدى موجة عميقة جامعة من الاحتجاجات، فقد كتب أهالي مدينة صفاقس قائلين (15 / 6 / 1952): «ما كاد خبر الاعتداء على القصر الملكي بالتسميم ينتشر في عاصمة الجنوب حتى عمها الحنق والاستنكار الشديد، وأضربت المدينة إضرابات شاملة احتجاجا على هذا الاعتداء، وأن أهالي صفاقس يحمدون الله على نجاة مليكهم من هذه المؤامرة ويتقدمون لجلالته بخالص تهانيهم على سلامته.»

تونس الثائرة · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٥٧