6
هل انتحر عاشوري؟ أم اغتيل؟ أم قتلوه؟ أم أعانوه على الفرار؟ وهو الشاهد الوحيد ورأس سلسلة المتآمرين، ربما يكون أبعد أو سجن أو اختفى وقد علقت جريدة «الصباح» على «تهريب» عاشوري 22 / 6 / 1952 قالت:
شغلت مؤامرة التسميم النذلة المدبرة ضد القصر الملكي العامر النوادي والمجالس والرأي العام في الداخل والخارج، وقد تواصل الاستنطاق والمكافحة بين المتهمين والشهود عليهم، وأخذ البحث يكشف الستار عن بعض الأسماء المورطة في المؤامرة، وتتضح قائمة هذه الأسماء يوما عن يوم بصورة تثير الاندهاش وتدل على اتساع نطاق هذه المؤامرة اللعينة.
أما العاشوري وهو رأس هذه المجموعة فلم يعثر عليه حتى الآن، والمظنون أنه لن يقع العثور عليه البتة حتى يوم القيامة، كما أن سلسلة الانتحار أو كتم الأنفاس تتسع حلقاتها في هذه الأيام بمناسبة اشتداد الحرارة، وستتسع حركات السفر إلى الخارج طلبا للراحة والاستجمام والهروب من العواصف العاتية التي تجتاح تونس هذه الأيام.
ونستطيع أن نفسر عدم التمكن من العثور على العاشوري، رغم التعليمات المشددة الصادرة إلى البوليس في هذا الشأن، بأن هذه الشخصية العريقة في صناعتها قد قيل إنها من المنجمين ومستطلعي الغيب وأصحاب العرافة وزجر الطير، ولها بناء من وسائل التبخر والاختفاء، وما يضمن لها الاحتجاب عن العيون مهما تكن نافذة وبصيرة، فقد يكون العاشوري قد لبس طاقية الإخفاء التي تتحدث عنها قصص ألف ليلة، فاختفى عن الأنظار!
وقالت الجريدة الاستعمارية «لابريس» (22 / 6 / 1952): «وتؤكد بعض الأوساط أن عاشوري ليس بالمعتقل ولا بالمسجون، وليس بالجزائر، ولكنه قتل ودفنت جثته قرب المرسى؛ لأنه شاهد مهذار.»
وأخذت الصحف الاستعمارية على مختلف مشاربها ولهجاتها تتأول وتهزل وتبحث وتحلل بإيعاز من الإقامة العامة لتضلل الرأي وتخفي الحقيقة؛ فقد جاء في عدد يوم الأحد 15 يونيو من صحيفة «تونس سوار» قولها:
إن بعض المعلقين في باريس يرون في هذا الحادث أنه عبارة عن مناهضة شق من العائلة المالكة لشق آخر منها، يحاول بها أحدهما القضاء على الآخر، ولسنا في حاجة لأن نقول أيهما يتجه ضد الآخر، وهذه الصورة في تعليل حادث التسميم محتملة جدا وقريبة من الحقيقة ولكن لا يظهر أن لها صلة بالحقيقة. ... وهناك تأويل آخر في باريس لهذا الحادث، وهو تأويل من لا يصدقون بوقوعه أصلا، وهم يعتمدون في تأويلهم هذا على أن الأيام الأخيرة كانت مثقلة باستياء عميق اجتاح قسما كبيرا من السكان في تونس، وهم الذين يتألمون في مصالحهم من جراء الاضطرابات الحاصلة في البلاد.
ومن هنا تولدت هذه المؤامرة وحبكت حبالها للوصول إلى أقصى غاية منها، والعادة المعروفة في الشرق أن الناس لا يترددون في الذهاب إلى أبعد حد في آرائهم، على أن الأنباء الأخيرة الواردة على باريس لا تترك أي مجال للشك في وجود مؤامرة.
أما صحيفة «لابريس» فقد نشرت في يوم 17 يونيو1952 تقول عن هذا الحادث:
يبدو حادث التسميم كأنه أمر بعيد عن الواقع في عين الجالية الفرنسية بتونس، وهم يضعون هذه القصة الخرافية في موضعها الذي تستحقه والذي يتلاءم مع طبيعة بلاد تسيطر عليها طبيعة الذكريات الشرقية وعاداتها المستحكمة.
والأجدر بالحقيقة أن ننظر إلى هذه القضية من الوجهة الهزلية إذا أردنا أن ننتهي منها إلى الواقع والحقيقة، لأنها قصة مثيرة للضحك إذا لم تتسبب في تعقيدات في المحيط العالمي.
إن هذه الخرافة المصطبغة بصبغة القرون الوسطى تعبر أيضا عن حالة النفسية المسيطرة على القصر الملكي، حيث تتولد المؤامرات عن المطامع الفاشلة، ونحن نعلم من قبل هذا الحادث الدور الذي لعبه في هذا القصر البنون والبنات وسلالاتهم إلى أن اختفى من المسرح الولد البكر الذي كان فيما سبق كثير العمل.