تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واسترسل الدكتور عبد الرحمن مامي في حديثه:

فشكرت الأميرة على مكاشفتي بسرها وأسرعت إلى الأمير سيدي الشاذلي (نجل الملك الأكبر) وأعلمته بالقصة.

ولما رأت الأميرة أن ذلك الصديق لم يرجع، أرسلت إليه ابنها يوم الاثنين 9 يونيو إلى دكانه بسوق النساء، فقال له: لم يصلني السم بعد، وذكر أثناء الحديث أسماء المتآمرين الذين أعادهم على الأمير الجليل سيدي محمد (نجل الملك الثاني) بعد أيام.

ورجع إليه ابن الأميرة يوم الأربعاء 12 يونيو فقال له: إن السم معي، خذه إلى أمك، فامتنع الابن وقال له الأحسن أن تسلمه لها أنت بنفسك.

ويوم الخميس 12 يونيو سلم ع ... السم للأميرة التي أوعزت لي بالحضور، وبعد نصف ساعة كنت في بيتها صحبة الأمير سيدي محمد.

لقد ضبط هكذا أحد المجرمين واعترف بالجريمة، ولنأخذ القصة ممن عاشها، فإن سيدي محمد باي أدلى لجريدة «الصباح»، 17 / 6 / 1951 بالحديث التالي:

كانوا يحدثوننا منذ أسبوعين عن تسميم قريب لجلالة الملك، وقد كاشف أحد أعوان الاستعلامات إحدى الأميرات القاطنات بالمرسى بهذا الأمر، وعن ثمن الجريمة خمسة ملايين من الفرنكات والعون هو محمد ع ... التاجر في الأقمشة ...

وفي يوم الخميس منذ الساعة الرابعة و15 دقيقة بعد الظهر خابرني هاتفيا الحكيم عبد الرحمن مامي رئيس أطباء جلالة الملك، فدعاني للحضور على جناح السرعة بالمرسى، وكان ع ... هناك وكنت حاسر الرأس فظنني رئيس مركز البوليس، واعترف بكل شيء، فهو من المشاركين في المؤامرة، وفاز بعد ذلك بمبلغ مالي قدره 775 ألف فرنك.

وقد وجد سيدي محمد باي في محفظة نقود السيد ع ... السم الذي أعد لتسميم جلالة الملك بواسطة طاهية البلاط، وانتقل الجميع بعد ذلك إلى قصر قرطاجنة، حيث سجلت تصريحات محمد ع ... بواسطة شريط ووعد ع ... بالحضور في اليوم التالي في الساعة الثالثة بعد الظهر لتقديم معلومات إضافية والكشف عن أسماء مدبري المؤامرة، إلا أنه لم يعد بطبيعة الحال، واختفى منذ تلك الساعة.

فمن هو السيد محمد ع ...؟ وما هي اتصالاته بمحمد الصادق باي؟ وما هي علاقاته مع الفرنسيين وخاصة إدارة الاستعلامات؟ فهو جزائري اسمه أحمد واشتهر محمد عاشوري، كان يشتغل في السوق السوداء مدة الحرب، وأصبح فيما بعد تاجر أقمشة وفتح دكانا بسوق النساء، ومنظره وسخ قذر؛ لا يحلق شعره، ولا يعتني بثيابه البالية، وهو من أتباع الصادق باي وأعوانه وحاشيته، وهو منجمه الأكبر وكاشف الغيب له ومطلعه على المستقبل! وذلك ثابت لا يحتمل الشك أصلا، فزمن كان التونسيون جميعا يقاسون من منع التجول الأمرين حصل الصادق باي لمنجمه وخادمه محمد عاشوري على رخصة من الجنرال جارباي القائد الأعلى لجيوش الاحتلال (بتاريخ 20 / 2 / 1952) تسمح حسب عباراتها ل «م. عاشوري، متوظف صاحب السمو الصادق باي أن يتجول بحرية بالقطر التونسي»، وعاشوري معروف في الأوساط الوطنية بانتمائه إلى قسم الجوسسة الفرنسية وأنه أحد المخبرين عندها.

ودعا عبد الرحمن مامي بالدكتور عبد السلام خالد الأخصائي في التقطير والتحليل الكيماوي، ولما حلل تلك المادة الحمراء وجد أنها من نوع «الأكونيتين» الفتاكة، وزيادة في التحري أرسلت كمية منها إلى باريس لتحليلها واحتفظ بالكمية الباقية في القصر الملكي.

ولما تحققت المؤامرة قدم جلالة الملك قضية عدلية بالمؤتمرين على حياته بعد أن استشار رجال القانون من حاشيته، وكلف بالاشتغال بها الأستاذ فتحي زهير وأحد المحامين الباريسيين الكبار الأستاذ جورج إيزار.

فما كان موقف السلطات الفرنسية لما افتضح الأمر واكتشفت المؤامرة وتداخلت العدالة؟ فهل حرصت على إظهار الحقيقة؟ وهل سعت في إنارة الرأي العام؟ أم خشيت من الفضيحة والعار وخافت من المسئولية وركنت إلى المغالطة والتزييف؟ وما فعل البوليس - وكله في قبضة الفرنسيين؟ فهل ألقي القبض على عونه عاشوري؟ ولكن عاشوري غاب واختفى ولم يعثر له على أثر في أول الأمر، وأصبحت الجرائد الاستعمارية نفسها تتساءل

تونس الثائرة · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٥٥