كما إنه من واجبنا أن نشير إلى صفة هؤلاء الأشخاص الانفصالية، أولئك الذين يدعون في باريس أنهم يتحدثون عن مؤسسات بلادنا ويذكرون لكي تنجح قضيتهم التطور الديمقراطي، مع أن غرضهم الحقيقي هو السعي وراء السلطة المطلقة لا غير، حتى يتمتعوا بالامتيازات التي تنجم عن الإثراء على حساب شقاء شعبنا.
إن أولئك الأشخاص الذين لا يعرفون شيئا عن حقيقة المبادئ الديمقراطية يديرون حزبا أو يسيرهم حزب نسخت أنظمته من أنظمة الحزب الشيوعي الفرنسي، ويستعملون أساليب إرهابية مع من لا يخضعون لأوامرهم أو من لا يريدون الخضوع لها، وهكذا حدث مثلا أن كان 200 طالب بجامع الزيتونة ضحية لتسميم في المواد الغذائية ناتج عن سوء نية أعضاء ذلك الحزب وقد أحيطوا بستار من السكوت والكتمان.
وفوق ذلك فإن أولئك الأشخاص أنفسهم ينظمون إضرابات سياسية ويحملون العمال على تعطيل عملهم بتخويفهم بنشر أسماء غير المضربين لكي يصبحوا هدفا لانتقام أعوانهم وبطشهم.
ولذلك فإننا نطلب من الحكومة الفرنسية أن تواصل مساعدتها وحمايتها مع كل ما في ذلك من مظاهر القوة والقيمة المعنوية حتى تبقى مثلا لبلادنا.
كما نؤكد لها أن الوقت غير مناسب لإنشاء برلمان في تونس سيكون أعضاؤه هدفا لضغط وإكراه يتنافى مع تطبيق الديمقراطية الحرة.
إن شعبنا العامل النشيط يحتاج بوجه خاص إلى العمل والأمن الأدبي والفكري والمادي، ذلك الأمن الذي ضمنته فرنسا إلى الآن، والتي تستطيع وحدها أن تضمنه في المستقبل.
ولذا فإن أسرتنا تعتمد على حمايتكم ومساعدتكم لكي يبقى الأمن محترما في تونس.
الصادق باي
14 / 12 / 1951
ويظهر أن ذلك الأمير الطموح اطلع في بيته إحدى الأميرات - وهي الأميرة رقية - بأنه تفاهم مفاهمات جدية واتفق اتفاقا كليا مع جريلي
Grellet
مدير ديوان المقيم العام وبونص الكاتب العام للحكومة التونسية وجاكبسون رئيس مركز الاستعلامات الفرنسية (المكتب الثاني) والدكتور ماريرلي. فنجد هكذا يد الاستعمار في كل جريمة ترتكب ضد التونسيين ونجد منذ مدة اسما يتكرر في كل فظيعة وكل مأساة، وهو اسم بونص الذي ذكر مرارا واستمرارا عند الحديث عن «اليد الحمراء»، وخاصة عند مقتل الزعيم الشهيد فرحات حشاد.
فما هو دور الصادق باي؟ وما هي مراميه؟ وما هي مسئوليته؟ سنتبين كل ذلك من سرد الحوادث نفسها.
لقد اطلعت الأميرة رقية على المؤامرة وعرفت أسماء المشاركين فيها الذين ظنوا أنها تبغض جلالة الملك وتحمل له في نفسها العداوة والنقمة، ولم يعلموا أن الأميرة رقية مدينة بالجميل للملك، وتم الاتفاق معها على أن يأتي شخص معين إلى بيتها يوم الخميس 12 يونيو ليسلم لها المادة السامة التي يراد وضعها في طعام الملك، وقد أوهمت المتآمرين بأنها ستسلمها لطاهية بالقصر (أخت طاهية الأميرة) فأسرعت إلى إعلام طبيبها الدكتور عبد الرحمن مامي الذي روى بنفسه للصحف القصة
5
فقال:
وقع تعييني كطبيب أول لجلالة الملك منذ مدة وجيزة جدا، وكان يكون من سوء الطالع أن أجد نفسي في الأيام الأولى للقيام بمهمتي أمام تسميم الملك تسميما قاتلا.
ولكن المصادفة ساعدتني، وإني لأبتهل إلى الله شكرا وحمدا على ما دلني في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان.
وكان ذلك يوم الجمعة 6 يونيو، لقد دعتني الأميرة ر ... إحدى كبيرات البلاط لمعالجة ابنتها المريضة، وبعد إتمام فحصها أخذتني الأميرة على حدة وقصت علي حكاية لم أصدقها في أول الأمر.
فقصت علي ما يأتي:
إن أحد الأصدقاء الأقربين قال لي أمس: اعلمي أننا سنسم الباي الجالس على العرش، ولقد توصلنا إلى استمالة أحد خدام الباي الذي سيمزج سما زعافا مدقوقا إما في طعام أو في شراب يقدم له ... فقالت الأميرة لذلك الصديق: أنا أعرف طاهية بالقصر، والأضمن أن أكون أنا الواسطة، فاقتنع بعد هنيئة السيد ع ... وقبل خدماتها وأكد لها قائلا: بمجرد ما أستلم ذلك السم آتي به إليك، ثم أضاف قائلا إن الربح سيكون خمسة ملايين فرنك.