تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الصادق باي أخو ولي العهد إذ ذاك عز الدين باي وهو خليفته يتقرب من الفرنسيين بجميع الوسائل، ويتصل أوثق اتصال بحاملي الفكرة الاستعمارية، ويساند الاستعمار الفرنسي بجميع قواه، يريد من وراء ذلك إرضاء طموحه في الجلوس على العرش، فكان في حركة دائمة وعمل لا يني ولا يهدأ إرضاء لنفسه المستعرة نارا المتشبثة بالحكم والسلطان، ولو كان صوريا لا حقيقة وراءه، فكان يسعى مع الحكومة الفرنسية سعيا حثيثا متواصلا للحط من جلالة الملك، صارخا بعدوانه للحركة القومية التونسية وللحزب الذي يقودها (الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد)، معلنا عدم ارتياحه لأي حق يناله شعب تونس، مناديا بوجوب بقاء الحماية الفرنسية على بلاده، فكتب رسالتين إلى رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزارة الفرنسية، الأولى مؤرخة في 7 / 11 / 1951 قال فيها:

سيدي رئيس الجمهورية

إني أتوجه إليكم بهذه الرسالة بكل احترام بصفتي رئيس الأسرة الحسينية، وبوجه خاص باسم شقيقي عز الدين باي ولي العهد، وباسم ابني عمي حسين ومحمد وهما خليفتانا المنتظران حسب ما تقتضيه المبادئ التقليدية التي حددها القانون العثماني والتي أقرتها المعاهدات التي تربط فرنسا بتونس؛ لكي نشرح لكم الأخطار البالغة التي تهددنا في الحاضر وفي المستقبل نتيجة للسياسة النظرية والعملية الحاضرة التي يبدو أنها أصبحت أساس العلاقات الدبلوماسية بين حكومة الجمهورية الفرنسية والأسرة الحسينية التي يمثلها جلالة الباي صاحب المملكة التونسية.

وفعلا فإن التقاليد والعادات وكذلك القوانين المقررة المكتوبة تقضي بأن يكون تمثيل تونس عن طريق جلالة الباي أو ولي عهده، ولا يمكن بمقتضى معاهدات المساعدة والحماية المبرمة بين تونس وفرنسا أن يقوم طرف ثالث بهذه المهمة، فإذا ما أقرت فرنسا غير ذلك فإنها قد تقضي على روح تلك المعاهدات.

وإنه ليؤسفنا جدا أن نلمس ما نريد إنهاءه إليكم من أن ضعف ملكنا المحترم وتطرف حزب سياسي تونسي تطرفا مفرطا يوشك أن يجر - بدعوى حاجة تونس إلى إصلاحات - أسرتنا وبلادنا وشعبنا إلى كوارث داخلية وعالمية.

ولذلك يبدو لنا ضروريا أن نشير إلى مدى خطورة الأعمال التي قد تنتج في المستقبل من اتفاقات محتملة الوقوع بين حكومتكم وحكومة مملكة تونس.

أما نحن فإننا نرى أن الإصلاحات التي يريد الوزراء الذين يعملون تحت ضغط الحزب الدستوري الجديد إدخالها في البلاد عملا بفكرة التطور الديمقراطي منافية لحقيقة مصالح تونس والأمة الحامية؛ لأنها لا ترمي إلا إلى تحقيق أغراض شخصية محضة وإلى إرضاء رغبات أنانية صرفة.

ونطلب منكم على عكس ذلك أن تزدادوا يقظة في القيام بحمايتكم لنا، وعسى أن تحمي قوتكم وحكومتكم شعبنا من استبداد المغامرين، وأن تمكنه من مواصلة تطوره المستمر ماديا، وفكريا، وأدبيا، والسلام الداخلي يسود القلوب والعقول.

لقد جنت بلادنا ثمرات وجود فرنسا والعمل المشترك المثمر، وهي في حاجة بوجه خاص إلى تحسينات في الميدان الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا يمكن بحث هذه التحسينات بدون المساعدة الثمينة التي لم تبخل بها علينا فرنسا إلى الآن.

الصادق باي

7 / 11 / 1951

وكانت الرسالة الثانية في 14 / 12 / 1951 وقال فيها:

بدأ الصادق باي يذكر تعهدات فرنسا التي لم تسمح لغير جلالة الباي أو ولي العهد بالاتصال بها باسم تونس، ثم أشار إلى أن احتمال تخلي الأمة الحامية عن هذه التعهدات سيجعل المعاهدات القائمة لاغية وأن بعضهم سوف لا يتردد في استغلال هذا الموقف.

ثم أضاف قائلا: إننا نقدر مسئوليتنا في الحاضر والمستقبل؛ ولذا نرى أنه من واجبنا أن ننهي إليكم بكل نزاهة ما يهدد شعبنا وبلادنا من أخطار إذا استمعت حكومتكم إلى المطالب التي قد يقدمها لها أشخاص لا يمثلون إلا جزءا ضئيلا من الشعب التونسي.

تونس الثائرة · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٥٣